إصلاح الإدارة العامة الخليجية يتطلب تغيرات جذرية

عدنان بن عبد الله الشيحة

نشر في: آخر تحديث:
عقد في الأسبوع الماضي المؤتمر الثاني لمعاهد الإدارة العامة والتنمية الإدارية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تحت عنوان "التنمية الإدارية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.. تحديات التغيير والتطوير واستشراف المستقبل". وجاء انعقاد المؤتمر استجابة للمستجدات التي تمر بها المنطقة واعترافا بدور الإدارة العامة في إدارة المجتمع وإعداده لمواجهة التحديات المحلية والعالمية.

وتناول المؤتمر تشخيص واقع التنمية الإدارية واستشراف مستقبلها، واستعراض ومناقشة المفاهيم والأساليب الحديثة للتغيير في القطاع الحكومي، تفعيل دور الشفافية والرقابة والمساءلة في الأجهزة الحكومية، تعزيز دور مشاركة المواطن ومؤسسات المجتمع المدني في تطوير أداء الأجهزة الحكومية، إبراز أهمية إدارة رأس المال البشري من منظور استراتيجي لتحقيق أهداف التنمية الإدارية، استعراض أبرز التجارب الناجحة في مجالات التنمية الإدارية. وهي موضوعات - بلا شك - مهمة وحساسة تلامس الواقع، وهو المطلوب في هذه المرحلة الحاسمة والحرجة من تاريخ دول المجلس، فلم يعد ممكنا التغاضي عن التغيرات والمستجدات والتعامل معها كما لو لم تكن. ولم يعد باختيارنا أن نعيش منعزلين بخصوصيتنا عن العالم ولم يعد ينظر إلينا كمنطقة إنتاج وإمداد للطاقة وحسب، لكن كمجتمعات تختلف في نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية في ظل التحولات العالمية وما أفرزته من دعوى لتطبيق قيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان ونشر ثقافة العولمة.

لقد اختزل العالم في حاسوب لا يتعدى حجم كف اليد يجوب صاحبه العالم كله في لحظات، فلا حدود سياسية ولا ثقافية تحول دون انتقاله إلى أي مكان أراد ومتى شاء. وأصبح المواطن الذي بالكاد يعرف ما يجري في حيه السكني يطلع على الأحداث بأدق تفاصيلها وبمجرد حدوثها. لقد أحدث هذا التغيير الهائل في تقنية المعلومات وتبادلها في ثقافة شعوب المنطقة وأخرجها من حال النمطية المحافظة إلى حراك ثقافي اجتماعي على جميع الصعد وفي كل اتجاه أدى إلى رفع سقف التوقعات نوعا وكما وتغيير نمط الاستهلاك، والأهم أسس العقد الاجتماعي ومصدر التلاحم والترابط والانتماء وأسلوب إدارة الاختلاف في المجتمع. ومع زيادة تشابك المصالح الاقتصادية والتواصل الثقافي بين الشعوب لن يتركونا وشأننا، إذ إن قواعد اللعبة بالنسبة لهم تغيرت وتغيرت معها طريقة التعامل والعلاقة.

من أجل ذلك هناك ضرورة لإحداث تغيرات جوهرية في نظام الإدارة العامة وكيفية صناعة القرارات العامة. ولا بد في هذا السياق الاعتراف بأن الإصلاح الإداري يتطلب صلاحا سياسيا، وهو يقتضي بالضرورة التحول من البيروقراطية المركزية إلى المجالس النيابية المحلية. وعلى الرغم من الجهود التي تبذل والتوجهات الحثيثة التي تسعى لتطوير العمل الحكومي، إلا أن ذلك يأتي في إطار التطوير الإداري وليس الإصلاح الإداري، إذ يتم الخلط بين المفهومين دون تمييز، فالتطوير الإداري يُعنى بإحداث تغيير في الإجراءات والعمليات الإدارية والبرامج التدريبية، وربما إنشاء إدارات جديدة، لكن دون تغيير هيكلي جذري في نظام الإدارة العامة وعلاقتها بالسلطة التشريعية على وجه التحديد، ودون المساس بالفلسفة الإدارية القائمة، ولا بمنظومة القيم والأخلاقيات، بينما الإصلاح الإداري يستوجب تغييراً جذرياً في الهيكل العام للإدارة العامة والثقافة والفلسفة الإدارية الكلية على مستوى الدولة وتوزيع الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات بين السلطات الثلاث بما يضمن الشفافية والمساءلة والمحاسبة، وتحقيق الكفاءة والفاعلية والمشاركة الشعبية ومنح الاستقلال الإداري والمالي للمجالس النيابية الوطنية والمناطقية والمحلية.

وتشكل المركزية الشديدة والاعتماد على البيروقراطيات العامة في عملية صنع القرار العام عائقا في بناء الخبرات وتطوير التعلم التنظيمي الذي هو أساس لتحقيق أهداف التنمية الوطنية. فقد تركزت الخبرة الإدارية في البيروقراطيات العامة على الإجراءات الروتينية دون خوض تجارب جديدة أساسها الإبداع والابتكار والتجربة والخطأ، فذلك يقتضي مساحة من الحرية والصلاحيات وعرضاً للأفكار الجديدة لأداء الأشياء بطريقة جديدة. وهذا لا يتأتى إلا من خلال المجالس النيابية التي تشرع لسياسات مبنية على أفكار ورؤى نتيجة لنقاشات ومداولات للوصول إلى صيغة توافقية تعكس الرأي العام المحلي.

إن اعادة هيكل الإدارة العامة تقع في جوهر عملية الإصلاح الإداري التي تستهدف تقريب صانع القرار للمواطنين بإشراكهم في عملية تحديد الخدمات العامة مباشرة نوعاً وكماً وتكلفة. إلا أن الخلط بين الشأن الوطني والإقليمي والمحلي يمثل إحدى المعضلات والإشكاليات التي تواجه الإدارة العامة السعودية. لم يعد بالإمكان تجاهل أهمية القرارات المحلية فيما يتعلق بالتنمية المحلية، فهي جذور التنمية الوطنية، كما أن سكان المدن والقرى أدرى بما يحتاجون إليه وأعرف بمصالحهم.

لقد أصبح من الضرروي أن يتحمل سكان المدن مسؤولية إدارة مدنهم، لكن كيف السبيل إلى ذلك وليست هناك سلطة واحدة للمدينة مسؤولة عن القرار المحلي؟ فحتى الآن تقدم الخدمات عن طريق فروع الوزارات المركزية دون أن يكون هناك ترابط قانوني واضح بينها ودون تنسيق شامل لجهودها، فكل وزارة لها تقسيماتها لنطاق الإشراف الإداري الجغرافي وخططها المستقلة عن الأخرى. إن الاعتماد على البيروقراطيات المركزية وفروعها في توفير الخدمات العامة المحلية يشتت الجهود ولا يحتوي ولا يستوعب الاحتياجات الفعلية لسكان المدن. فالبيروقراطيات بطبيعتها التنظيمية تستهدف تنفيذ الإجراءات الروتينية ومعاييرها الداخلية في إطار التسلسل الهرمي للسلطة ومركزية القرار والاتصال والتوجيه من أعلى إلى أسفل دون أخذ آراء الموظفين المتعاملين مباشرة مع الجمهور والاطلاع على مجريات الأمور.

وهكذا تنتقل ثقافة التفكير السلطوي والاتصال في اتجاه واحد للموظفين تقليداً واحتذاءً بمن فوقهم، ما يؤثر سلباً في كفاءة تقديم الخدمة وأسلوب التعامل مع المراجعين. ويتضح أن المطلوب ليس المزيد من التدريب وتطوير الإجراءات التنظيمية مع أهميتها، لكن الأهم إعادة هيكلة نظام الإدارة العامة جذرياً. المشكلة أن الجميع يعلم ما يجب علينا عمله، لكن ما ينقصنا هو قرارات جريئة وحاسمة تحول الأفكار والرؤى إلى واقع يجعلنا أكثر قوة ولحمة في مواجهة التغيرات السريعة والتحديات الكبيرة.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.