دلوني على السوق

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

نشر في: آخر تحديث:
روى البخاري من حديث أنس رضي الله عنه، قال: قدم عبدالرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى، فقال لعبدالرحمن: أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فما لبث أن تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله: «ما سقت إليها؟» قال: نواة من ذهب - أو وزن نواة من ذهب - قال: «أولم ولو بشاة»،

ومن هذا الحديث - وغيره كثير - يظهر لنا منهج الإسلام جلِياً في طلب الريادة والإبداع والاعتماد على النفس وكفايتها، فإن ابن عوف رضي الله تعالى عنه لم يتكل على كرم الضيافة، وطيب نفس أخيه سعد بن الربيع البالغ حد الإيثار بما لا يقدر على مثله إلا من كان من ذلك الدار رضي الله عنهم.

لم يكن أنانياً فيقول: هذا مقتضى الإخاء والمحبة والنصرة، لم يقل إن حق الضيافة يكون فيه مثل هذا، لم يقل إني غريب فلا أخاطر بجهد أو مال..

بل قال: دلوني على السوق؛ لأنه يعلم أن الكسب خير من العطاء، وأن الغِنى خير من الفقر، وأن العمل خير من الاتكال، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.

هذا هو منهج الإسلام الذي سبق إليه عبدالرحمن وأبوبكر وعثمان والزبير وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، الذين فقهوا مراد الله من قوله: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} وقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}.

فقهوا ذلك فاتجروا واغتنوا ونفعوا وكفوا واكتفوا، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «ما نفعنا مال أحد ما نفعنا مال أبي بكر»، وقال: «ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم»، قالها مراراً، يوم أن جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار لتجهيز جيش العُسرة، ففرَّغها عثمان في حِجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها، تعجباً من كثرتها.

كذلكم كان يريد النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فقد كان إذا جاء أحد يسأله شيئاً ورأى فيه الجلَد والقدرة على الكسب يقول له: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أُرِيَنَّك خمسة عشر يوماً»، ويقول: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحداً، فيعطيه أو يمنعه».

فما أعظم الإسلام الداعي إلى الإبداع فيما ينفع الناس، ليكون المجتمع مكفياً بذاته، غنياً عن غيره، لا جرم فإن: «المؤمن القوي، خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»،

وهذا ما دعا إليه الشيخ محمد في القمة الثالثة لريادة الأعمال المنعقدة في دبي برئاسته، حفظه الله.

* نقلاً عن صحيفة "الإمارات اليوم"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.