عاجل

البث المباشر

لا يُخيفنا تباطؤ الطلب على النفط

لا يختلف اثنان على أن مصادر الطاقة النفطية بغازها ومشتقاتها السائلة هي الاختيار الأفضل في وقتنا الحاضر بين جميع مصادر الطاقة الأخرى. وأنها سوف تظل المصدر الرئيس للطاقة خلال المستقبل المنظور بفضل وجود بنيتها التحتية التي تُقدَّر تكلفة بنائها بتريليونات الدولارات ومميزاتها (اللوجستية) والقيمة الحرارية، مما يجعل الاستغناء عنها اقتصادياًّ أمراً أقرب إلى المستحيل. والمصدر الوحيد الذي ربما يبرز كمنافس للمصادر النفطية من حيث التكلفة والاستدامة هي الطاقة الشمسية.

ولكن على الرغم من احتمال حدوث ذلك فإنه من المؤكد أن استخدام الطاقة الشمسية كمصدر لتوليد الطاقة الكهربائية سوف يكون ولسنوات طويلة محدوداً وبمثابة رافد للطاقة النفطية ومكمل للنقص المتوقع حدوثه كنتيجة لبدء النضوب الطبيعي للموارد النفطية. وفي الوقت الذي نخشى فيه تقلص كميات النفط التقليدي الرخيص قبل أن نكون قد تمكنا من إيجاد بديل مستديم ومناسب لمصادر الطاقة، نجد منْ يُحذرنا ويلح في التحذير من احتمال تباطؤ الطلب العالمي على الطاقة.

وكأنهم يقولون لنا اعملوا ما استطعتم لمنع صعود أسعار برميل النفط إلى مستويات قياسية، وإذا لم نفعل، فسوف ينصرف المستهلك عن استخدام المواد النفطية إلى مصادر أخرى. ولم يذكروا لنا إلى أين سوف ينصرف المستهلكون، ونحن نعلم أنه لا يوجد أي مصدر جديد للطاقة يوازي بأهميته وملاءمته للحياة البشرية المصادر النفطية؟ ونؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن صعود أسعار النفط إلى أي مستوى مهما كان مرتفعاً فلن يكون سببا في الاستغناء عنه، لسبب بسيط وهو أنه لا يوجد بديل يمتلك المواصفات التي يتمتع بها النفط. وحجة البعض أن ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى انكماش في النمو الاقتصادي، الذي ربما بدوره يؤدي إلى انخفاض في كمية الطلب على الطاقة، وهو أمر طبيعي. ولكن الانخفاض المتوَقع سوف يكون بنسبة قليلة.

ونضرب مثلاً لما قد يحدث. فمجموع الاستهلاك العالمي الآن يبلغ 90 مليون برميل مُكافئ في اليوم، والإنتاج قريب من ذلك. فلو حصل نقص في الطلب نتيجة لحدوث أزمات اقتصادية فلن يزيد الانخفاض على الأرجح على نسبة 5 في المائة، أو ما يساوي أربعة ملايين ونصف المليون برميل مُكافئ. وحتى لو وصل النقص إلى ضعف هذه الكمية، فلن يعني ذلك على الإطلاق الاستغناء عن النفط لأن العالم لا يزال بحاجة إلى 80 مليون برميل. وعادة ما يكون التركيز على احتمال تدني الطلب العالمي في حالات خاصة، قد تكون لأسباب اقتصادية أو غير ذلك. وننسى أن من طبيعة الإنتاج إذا بلغ أعلى مستوى فسوف هو الآخر يبدأ رحلة الهبوط، إذا لم يتم استكشاف حقول جديدة. وقد أثبتت العقود الثلاثة الماضية أن فرص وجود مكامن نفطية جديدة من نوع التقليدي الرخيص نادرة الوجود.

وكنت قد كتبت مقالاً في ''الاقتصادية'' 10 أيار (مايو) 2009 تحت عنوان ''خوفنا ليس من الاستغناء عن النفط بل من نضوبه''. وأنا لا أزال على ذلك الموقف. فالأكثر احتمالاً حدوثه هو نقص الإمدادات النفطية وعدم مجاراتها للطلب العالمي، مما لا محالة سيرفع الأسعار إلى مستويات قياسية في زمن قد لا يكون بعيداً. وليس مستبعداً أن يقود هذا التوجه إلى إحداث زعزعة خطيرة للاقتصاد العالمي، بصرف النظر عما سيحدث بعد ذلك من نقص رمزي للطلب على النفط كما أسلفنا. وكل هذه المتغيرات سوف تكون خارجة عن السيطرة البشرية لأن الذي يحكمها هو العرض والطلب. أقول هذا الكلام وأنا أعلم أن هناك نشاطاً ملحوظاً في الولايات المتحدة لإنتاج بضعة ملايين برميل إضافية من صخور السجيل ذات التكلفة العالية، وكميات متواضعة من الرمال الكندية ذات المواصفات الرديئة.

وهناك منْ يودون الهرب من النفط كمصدر للطاقة، والذي تقع معظم مصادره خارج نطاق سيطرتهم، ولكن هيهات لهم أن يتمكنوا من ذلك نظراً للغياب التام للبدائل المناسبة. ونؤكد مرة ثانية أن أخطر أمر يهدد مستقبل العالم الاقتصادي والاجتماعي اليوم هو نضوب النفط قبل أن نوجد له البدائل التي من الممكن أن تحل محله ولو بنسبة متدرِّجة. وقد يكون غائباً عن أذهان الكثيرين من المسؤولين وصُناع القرار وحتى المتخصصين في علوم الاقتصاد أننا نستنزف هذه الثروة النفطية المحدودة بطريقة جنونية، دون أن نلقي بالاً لقرب نضوبها. والأدهى من ذلك أننا دائماً نتذرع بأن الكميات الباقية من المواد الهيدروكربونية تكفي لأكثر من مائة سنة، وهو ادعاء غير دقيق لأنه يخلط بين النفط التقليدي الرخيص الذي يُغذي الاقتصاد العالمي منذ عقود طويلة وبقية مصادر النفط غير التقليدي الذي يقل إنتاجه عن التقليدي بنسبة واحد إلى عشرة وتزيد تكلفته عشرة أضعاف.

ومع خطورة الوضع بالنسبة لمصادر الطاقة التي أصبحت في عصرنا الحديث من أساسيات الحياة، لا نشاهد ما يستحقه المقام من اهتمام بالبدائل من قِبَل الدول المقتدرة مالياً وتكنولوجياًّ. فالواقع أن جُلَّ اهتمام هيئاتهم ومؤسساتهم المتخصصة مرتكز على صغائر الأمور، كالتذبذب البسيط في أسعار الطاقة ومقارنة الطلب في العام الماضي مع الطلب المتوقع في العام المقبل، وهي أمور لا تسمن ولا تغني من جوع. نحن بحاجة إلى دراسات استراتيجية عميقة مبنية على بعد الرؤية والاعتماد على المعلومات الصحيحة عن الاحتياطي النفطي المتبقي من النوع التقليدي، وليس على الأرقام المُعلنة ''المُضخَّمة'' التي يرددها الإعلام منذ أكثر من 20 عاماً. وليس من مصلحة أحد أن يُضلل الرأي العام العالمي عن طريق نشر وترويج أرقام غير مؤكدة تتعلق بمواضيع مرتبطة بمصير الشعوب. فلو لم يكن الأمر كما يظنون، وهو أمر وارد، فإن الثمن سوف يكون باهظاً وربما كارثياًّ. لأن أي ادعاء يبعد الخوف عن احتمال حدوث نقص حاد قريب في إمدادات مصادر الطاقة حتماً سوف يؤدي إلى تأخير الاستعداد لبناء مرافق الطاقة البديلة، قبل أن يستفحل النقص في الطاقة ويؤثر سلباً في معطيات نمو الاقتصاد العالمي الهش.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة