تشوهات سوق العمل الأسباب والحلول

طلعت زكي حافظ

طلعت زكي حافظ

نشر في: آخر تحديث:
أكد تقرير الإنجاز الصادر عن وزارة العمل لعام 1432، أن سوق العمل في السعودية تعاني تشوهات عدة جاثمة على صدرها طوال السنوات الماضية، نتج عنها حدوث اختلالات هيكلية في السوق، تسببت - بشكل كبير - في عرقلة جهود السعودة وتوطين الوظائف في القطاع الخاص وتمكن الحكومة من الخروج من نفق البطالة المظلم الذي تعانيه المملكة.

من بين التشوهات التي ظلت تعانيها سوق العمل السعودية لفترة طويلة من الزمن، الإفراط في استقدام العمالة الوافدة رخيصة الأجر، التي لا تمتلك أدنى المهارات الفنية، ما انعكس بشكل ملحوظ وملموس على نوعية وجودة الأعمال التي تنفذ في السوق، كما أن توافر العمالة متدنية المهارة الفنية والمستوى العلمي، أسهم - بشكل كبير - في تدنى فرص عمل المواطن السعودي في القطاع الخاص، مقارنة مع فرص العمل التي حظي بها العامل الوافد، نتيجة تدنى مستوى أجر العامل الوافد مقارنة مع أجر العامل السعودي.

هذه التشوهات في سوق العمل وغيرها تسببت في إضعاف فرص تطوير آليات العمل في السوق في العديد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، التي ظلت تعاني لفترة طويلة من الوقت سوء الإدارة والتنفيذ، نتيجة اعتمادها في تسيير دفة أمورها على عمالة وافدة متدنية الأجر وغير ماهرة وليست قادرة في الوقت نفسه على التعامل مع أفضل الممارسات Best Practices المرتبطة بتطوير وسائل الإنتاج والخدمات، والمطبقة - حالياً - في العديد من دول العالم المتقدم، والتي تعتمد على استخدام تطبيقات الاقتصاد المعرفي Knowledge Based Economy الذي يعتمد على المعرفة (توافر تكنولوجيا المعلومات والاتصال واستخدام الابتكار والرقمنة) كأساس للنمو الاقتصادي.

كما أن توافر العمالة الوافدة المتدنية الأجر بأرقام كبيرة جدا في السعودية، خلق نوعا من أنواع المنافسة غير العادلة وغير المتكافئة بين العمالة الوافدة والعمالة الوطنية، خصوصا أن المواطنين السعوديين لا يقبلون على الوظائف البسيطة لا سيما في ظل الأجور المنخفضة.

المهندس عادل محمد فقيه، وزير العمل، أوضح في مقابلة تلفزيونية في برنامج (بوضوح) بثتها القناة السعودية الأولى بتاريخ 15 كانون الأول (ديسمبر) 2012، أن سوق العمل لم تتمكن خلال الفترة الماضية من تطوير إمكاناتها وآلياتها بالشكل والمضمون والمحتوى الذي يتواكب مع تطور الاقتصاد الوطني، خصوصا فيما يتعلق بقدرتها على تغيير نمط وظائف معينة ومحددة بحيث تصبح أكثر جذباً للعمالة الوطنية مقارنة بأي وقت مضى. إن عدم قدرة سوق العمل السعودية على تطوير آلياتها وأسلوب تنفيذها الأعمال المختلفة خصوصا البسيطة منها، أسهم - بشكل كبير - في عزوف الشباب السعودي عن الانخراط في سوق العمل، ما أتاح للعمالة الوافدة تعزيز وجودها في السوق لشغل الوظائف التي لا يقبل السعوديون العمل فيها، خصوصا التي لم يطولها تغيير وتحسين في آليات التنفيذ طيلة الفترة الماضية.

للخروج من مأزق البطالة في السعودية وتحسين آليات عمل سوق العمل في المملكة، أشار وزير العمل في المقابلة التلفزيونية ذاتها إلى أن الوزارة تبنت تنفيذ حزمة من المبادرات والبرامج مثل برنامجي نطاقات وطاقات وغيرهما، التي من شأنها أن تعمل على توازن تركيبة السوق بين العمالة الوطنية والوافدة، بحيث يتحقق الاستقرار والنمو الاقتصادي المستهدف بما في ذلك الإحساس بالعدالة الاجتماعية وحفظ الحقوق، إذ لا يجب أن تتنافس العمالة الوافدة مع أبناء وبنات الوطن على الوظائف في ظل وجود نسبة بطالة مرتفعة في المملكة بعض الشيء.

من بين الإجراءات والخطوات المستقبلية التي أعلنها وزير العمل في المقابلة التلفزيونية سالفة الذكر، أنه لا يمكن إغفال حقوق القطاع الخاص وسيتم المحافظة عليها حيث ستقوم الوزارة بتطبيق برنامج مماثل لبرنامج ''نطاقات'' العام المقبل للأفراد لمتابعة أدائهم العملي، ملوحاً بعقوبات قد تصل إلى الفصل بحق السعودي غير المنتظم في عمله.

إن القضاء على التشوهات التي تعانيها سوق العمل السعودية، لا يعنى بالضرورة الاستغناء التام عن العمالة الوافدة، الأمر الذي أكده وزير العمل في المقابلة التلفزيونية المذكورة، لكون المملكة تشهد حراكا اقتصاديا غير مسبوق يتطلب تنفيذ عدد كبير جداً من المشاريع التنموية العملاقة في أقل فترة ممكنة، الأمر الذي يؤكد استمرار الوزارة في منح تأشيرات العمل للمؤسسات والمنشآت التي تبرر الحاجة إليها، ولكن في الوقت نفسه لا يكون ذلك على حساب عدم توفير الوظائف للمواطنين السعوديين بالشكل العادل والمتوازن.

إن التعامل مع التشوهات التي تعانيها سوق العمل السعودية، يتطلب بكل تأكيد تهيئة المواطن السعودي لسوق العمل تهيئة سليمة تشجع القطاع الخاص على مساعدة الحكومة على تحقيق مستويات أعلى من التوطين، حيث إن السعودة القصرية لن تساعد بأية حال من الأحوال على توطين الوظائف، خصوصا في ظل غياب خطة أو استراتيجية واضحة لتهيئة الشباب والشابات الداخلين الجدد لسوق العمل، التهيئة المهنية والعملية السليمة التي يطمح ويتطلع إليها القطاع الخاص. كما أن توجه وزارة العمل إلى تطبيق برنامج على غرار برنامج ''نطاقات'' العام المقبل للأفراد لمتابعة أدائهم العملي، سيعمل - دون أدنى شك - على تحسين إنتاجية العامل السعودي، وسيكون بمثابة عامل ضغط شديد عليه لأن يكون أكثر انضباطاً وانتظاماً في عمله.

إن استمرار تبنى تطبيق برامج شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والمعاهد الدولية لدعم آليات التوظيف، وتفعيل دور مكاتب التوظيف الأهلية، وتعميم الفحص المهني وبرامج شهادات التأهيل، وكذلك تفعيل دور الجمعيات المهنية المتخصصة، بما في ذلك مواءمة مخرجات التعليم بشقيه العام والعالي مع سياسات وفرص العمل في السوق، ستساعد جميعها على القضاء على التشوهات والارتقاء بأداء السوق وتحسين إنتاجية العامل الوطني، بحيث يكون أكثر جذباً للقطاع الخاص مقارنة بالعامل الوافد.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.