عاجل

البث المباشر

عبد العزيز الغدير

كاتب سعودي

كاتب سعودي

الموازنة القياسية والقلق من الفساد

سماها البعض الموازنة التريليونية حيث يتوقع أن تكون ميزانية عام 2013 الفعلية من جهة الإيرادات أكثر من تريليون ريال بإذن الله تعالى، وبالتالي فهي ميزانية قياسية بكل ما تعنيه الكلمة، ومن المفترض أن يكون الشعب في غاية السعادة من هذا الخير الكبير الذي ساقه الله لنا بموارد طبيعية أودعها الله باطن الأرض السعودية لقرون طويلة.

لكن ومع الأسف الشديد هناك شيء من عدم الرضا والقلق من المستقبل في ظل تراجع بلادنا تسع مراتب في مؤشر مدركات الفساد لعام 2012، من المركز 57 عام 2011 إلى 66 عالمياً هذا العام بـ 44 من 100 درجة يشملها مؤشر مدركات الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، وهو ما يعني تفاقم المشكلة لا تناقصها وأننا دون المتوسط في هذا المؤشر الذي يبدأ بصفر، حيث يكون الفساد أكثر، وينتهي بـ 100 حيث تكون الدول أكثر نقاء من الفساد، وفي ظل الغياب الكبير لمعلومات دقيقة لما أنجز في عام 2012 من مدارس ومستشفيات ومساكن وأنفاق وجسور وما قدم من قروض في كل المجالات التنموية ومقارنتها بما كان مخططا، وأخيراً في ظل استمرارية الاعتماد على النفط متذبذب الأسعار كمصدر رئيس للدخل مقابل تزايد الإنفاق على متطلبات التنمية مستقبلاً.

أيضا هناك أمر مؤشر مقلق جدا وهو مؤشر البطالة حيث أننا نعاني معدلات بطالة عالية ونحن في زمن الانتعاش أكبر من معدلات البطالة في الدول الغربية وهي في زمن الانكماش والأزمة المالية الطاحنة التي وقعت أواخر عام 2008م، كذلك نحن نعاني أيضا غلاء في المعيشة نتيجة ارتفاع أسعار العقارات وإيجاراتها والمواد الغذائية مقابل ارتفاعات طفيفة في الدخول حتى أنه لا يوجد علاقة منطقية بين ارتفاع موازنة الدولة مقابل الانخفاض في دخول عامة الأفراد.

القلق واضح جداً في الإعلام الاجتماعي الحر أن بلادنا أنجزت الشيء الكثير خلال السبع سنوات الماضية منذ أن بدأت الميزانيات تزداد بشكل كبير وقياسي انطلاقاً من عام 2006م، وأنه ورغم الفسادين المالي والإداري الذي يلمسه المواطن وتثبته التقارير الدولية فإننا نرى إنجازات كبيرة في مجالات التعليمين العام والعالي والصحة والكهرباء والطرق والمياه والبنى التحتية والعلوية بشكل عام، كما نرى اهتماماً كبيرا في مجال الإسكان وقروضا متزايدة في هذا المجال إضافة للقروض ذات الأبعاد التنموية لتعزيز نشوء الأعمال الصغيرة والمتوسطة والتشغيل الذاتي للمواطنين.

إلا أنه وعلى الجانب الآخر نرى غموضا غير مقنع من جهة الخطة الاستراتيجية للبلاد في السنوات القادمة ومدى التقدم في هذه الخطة وصفياً وكمياً وبكل تأكيد هذا الغموض المناقض للشفافية والذي يؤدي إلى انخفاض معدلات الإنصاف والمساءلة والعدالة نتيجة الفسادين الإداري والمالي اللذان تولدهما بيئة الغموض في كل مراحل التنمية بمدخلاتها وعملياتها ومخرجاتها، أقول بكل تأكيد هذا الغموض وما يترتب عليه من فساد ينحرف بالخطط التنموية عن مساراتها ويرفع معدلات تبديد الموارد المالية أولا والبشرية والمادية والتعاونية ثانياً ما يجعل المنجز دون المأمول والذي ينعكس سلباً على مستوى معيشة المواطن السعودي ليتولد التذمر وعدم الرضا.

هل من حلول تكتيكية وأخرى استراتيجية؟ أم أنه ستمر هذه السنوات الذهبية دون استثمارها في رفع مستوى معيشة المواطن من جهة والتحول من دولة مستهلكة وحيدة المصدر الاقتصادي إلى دولة منتجة متعددة المصادر الاقتصادية؟ بكل تأكيد هناك حلول وخصوصا أن الدولة - رعاها الله - استثمرت في الموارد البشرية الوطنية داخليا وخارجيا بشكل كبير. ولاشك أن تلك الموارد هي الثروة الحقيقية متى ما طورنا البيئة لها وهيأنا لها فرص العمل والإنتاج والابتكار والإبداع وجعلنا من الجدارة العنصر الرئيس في الاستقطاب والتعيين والترقي.

أيضا إذا تحولنا اليوم قبل الغد للتخطيط الشامل للدولة بتمكين وزارة والاقتصاد والتخطيط بلعب دورها التخطيطي الحقيقي وقصر دور الأجهزة الحكومية على الجانب التنفيذي لهذه الخطط بعد اعتمادها وعدم السماح بتغييرها أو الانحراف عنها من قبل أي وزارة مهما كانت الأسباب إلا من خلال نظام متابعة فاعل للخطط يراعي المتغيرات والتطورات بمرونة عالية. وبكل تأكيد متى ما رأت الأجهزة الحكومية أن هناك أهدافا كمية وصفية مُزمنة عليها إنجازها في الوقت المستهدف دون أعذار أو تتعرض للمساءلة وما يترتب عليها ستكون معدلات الإنجاز أكبر بكثير مما هي عليه الآن لينعم المواطن بخيرات بلاده ويتحقق الرضا المنشود.

أعتقد أنه حان الوقت لتطوير هياكل بلادنا لرصد الفساد والحد منه وقائيا بفاعلية عالية ومساءلة مرتكبيه إضافة إلى محاربة مظاهره دون هوادة أو محاباة لأحد كائنا من كان كما يقول دائما خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله ورعاه.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة