بطالة موارد بشرية أم مالية؟

عدنان بن عبد الله الشيحة

نشر في: آخر تحديث:
مشكلة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية عندما لا نستطيع تحديدها ونخطئ في فهمها ثم نذهب نطبق حلولا لا تمت لها بصلة فنقضي وقتا طويلا وننفق أموالا طائلة ونضيع فرصا كثيرة ونحن ندور في دائرة مفرغة، الأدهى والأمر أننا نظن وهما أننا نحسن صنعا فنستمر على النهج ذاته ونصر على الأسلوب نفسه على الرغم من أنها أثبتت قصورها وفشلها في بلوغ ما نتطلع ونطمح إلى تحقيقه. لا شك أن هناك نوايا صادقة وجهودا مقدرة وإنفاقا سخيا، لكنها لا تكفي لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه المجتمع. الحلقة المفقودة في الجهود الحكومية في معالجة الكثير من المشكلات الرؤية المشتركة طويلة المدى، فعدم وضوح الرؤية أو ربما حتى غيابها يفقدنا البوصلة التي توجه الجهود وتستثمر الموارد في الاتجاه الصحيح نحو معالجة جذور القضايا والموضوعات الوطنية ذات الأولوية وليس فقط أعراضها أو بعيدا عنها. وهنا يبرز تساؤل في غاية الأهمية لماذا نفتقد الرؤية المستقبلية المشتركة؟ والجواب الصريح أن هناك تشرذما إداريا يكون في الغالب كل جهاز إداري حكومي يعمل منفردا يصل حد التنافس فيما بينها وربما التضاد. هذا النمط من العمل يبعثر الجهود والموارد ويقلل القدرة على وضع حلول شاملة ومتداخلة تتيح المجال لكل جهاز أن يكون جزءا من الحل المشترك بدلا من أن يكون جزءا من المشكلة . والسبب الرئيس وراء ذلك هو منح البيروقراطيات العامة سلطات واسعة في صناعة القرار العام على حساب المجالس النيابية سواء مجلس الشورى أو مجالس المناطق أو المجالس المحلية والبلدية باختلاف مستوياتها المركزية والمناطقية والمحلية. فهذه المجالس التي يفترض أن تعكس الرأي العام وتكون صوت الناس في عملية صنع القرارات التي تهمهم لم تمنح الصلاحيات والأدوار التي تمكنها من عمل ذلك وظلت أقرب ما تكون صورية وأسماء دون مسميات يكون فيها الإطار أكبر من الصورة.

مشكلة الاعتماد الكبير على البيروقراطيات والمركزية الشديدة في صناعة القرار جعل من المستحيل النظر للأمور بنظرة مشتركة وواقعية وعملية وبما يحقق المصلحة العامة. لقد انشغل كل جهاز إداري بمصالحه البيروقراطية الضيقة وأصبح هناك تحوصل وانكفأ إلى الداخل تعززه إجراءات ورقية مطولة لا تمت بصلة للأهداف الوطنية العليا وما ينفع الناس، بل ربما عطلت مصالحهم وقللت جهودهم وأفسدت معيشتهم. وفي ظل هذا الوضع الإداري المتشرذم تتوسع المشاكل وتكبر التحديات على الرغم من الإنفاق السخي. هناك تصور خاطئ أن الإنفاق المالي وحده كفيل بمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وتبعا يكون الافتراض أنه كلما زاد الإنفاق زادت القدرة على حل المشكلات. هذا التصور يطرحه البيروقراطيون ويلبسونه ثوب المهنية والموضوعية والحيادية من أجل الحصول على مخصصات مالية أكبر لتضخيم مكانتهم وسلطاتهم البيروقراطية! هذا الانتفاخ البيروقراطي يجعل العمل الحكومي بطيئا مثقلا بالإجراءات الروتينية الورقية تسيطر فيه المنافع الشخصية وتختزل فيه الأهداف الوطنية برؤى شخصية آنية تغيب فيها المقاصد الأساسية التي وضع من أجلها الجهاز الإداري!

هذا كان وصفا للوضع الإداري الحكومي الذي لا يتطلب أبحاثا متخصصة لتحليله ولا دراسات ميدانية لفهمه، تم إيراده لإيضاح التحدي الأكبر للتنمية الوطنية في غياب الرؤية المشتركة ومعايير الكفاءة والفاعلية والتأثير النهائي للقرار الحكومي، ما يقود إلى عدم توظيف الموارد المالية التوظيف الكفء والفاعل. ونتيجة لذلك تتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية دون أن يلوح في الأفق بارقة أمل لحلها. قد يكون من بين أهم التحديات مشكلتا البطالة والفقر اللتان ما زلنا ومنذ سنوات نسعى جاهدين لمعالجتهما أو التخفيف من أثرهما. هل يعقل أن تكون هناك بطالة وفقر بهذا المعدل في اقتصاد ينعم بالرخاء والازدهار؟ هل يصح في ظل الإنفاق السخي للدولة وحرص ولاة الأمر على رفع مستوى معيشة المواطن أن يوجد هذا العدد الكبير من العاطلين عن العمل والمعوزين؟ إنه وضع أقل ما يقال عنه إنه متناقض وإن ثمة أمرا يمنعنا من تحقيق تطلعات وطموحات الناس في العمل والعيش الهانئ. وما يزيد من حال العجب أنه حتى أولئك المخلصون من البيروقراطيين الذين يرغبون في الإسهام في معالجة تلك المشكلات لا يتمكنون من ذلك! لأنه ليس هناك إطار مشترك وخطة طريق توضح الأدوار والمسؤوليات المنوطة بكل جهاز، وبالتالي لا يكون هناك فهم مشترك وحلول مشتركة شمولية تتناسب مع طبيعة المشكلات المعقدة. إن المشكلات التي ما زالت تؤرقنا على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي تتطلب تداخل الأجهزة الحكومية بفهم مشترك وبمعالجة المشكلات من خلال منظومة حلول متكاملة وليست حلول مجزئة.

إن مشكلة البطالة بين الشباب المؤهلين - على سبيل المثال - تم فهمها من منظور ضيق وغير صحيح في أنها تعني توظيفهم دون ربط ذلك بقدرتهم على الإسهام في النموالاقتصادي. الشباب المؤهل نعمة وليس نقمة، كما يظن الكثيرون، وجميع الدول تتمنى أن تكون لديها تركيبة سكانية شابة مثل التي ننعم بها، لأن ذلك يعني رفع معدل الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. إذاً المشكلة في كيفية توظيف هؤلاء الشباب ليكونوا دعامة ومدخلا رئيسا من مدخلات الصناعة. ما نحتاج إليه هو بناء هيكل اقتصادي ومنظومة صناعية ليس لاستيعاب هؤلاء الشباب والتخلص من مطالبهم بالتوظيف، لكن خطة اقتصادية وسياسة صناعية مبنية على النظر إليهم كمورد اقتصادي يسهم في إضافة قيمه إلى الاقتصاد الوطني يجب الاستفادة منه لتحقيق التنافسية. لذا لا يمكن معالجة بطالة الموارد البشرية إلا إذا قمنا بمعالجة البطالة المالية من خلال ترتيب أولويات الإنفاق وصرفه بطريقة تتيح الفرصة لتوظيف الشباب من أجل زيادة الإنتاجية الاقتصادية. لذا نحتاج إلى وضع استراتيجية اقتصادية وصناعية وطنية تقوم على إنشاء صناعات تحويلية وشركات حكومية على غرار شركات سابك في مجالات متعددة تستخدم فيها التقنية العالية وتنتج سلعا وخدمات تنافسية تمكننا من الانطلاق للعالم الأول. لكن ذلك لن يتحقق في ظل التشرذم البيروقراطي والإدارة المجزأة للاقتصاد الوطني. الحل الوحيد لتجاوز هذه الأزمة الإدارية منح المجالس النيابية (مجلس الشورى، ومجالس المناطق، والمجالس المحلية والبلدية) صلاحيات وأدوارا تمكنها من وضع رؤية مشتركة وأولويات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوجيه ومراقبة ومحاسبة البيروقراطيات العامة.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.