إنتاج النفط في إيران حقائق وأوهام وعراق

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:
أكد وزير النفط الإيراني رستم قاسمي الأسبوع الماضي أن بلاده ستزيد طاقتها الإنتاجية من النفط الخام إلى نحو 5.5 مليون برميل يومياً بحلول آذار (مارس) 2016 من خلال استثمارات تقدر بنحو 400 بليون دولار. لكن اللافت أن الخطة التي يزمع تنفيذها لا تزال مطروحة أمام البرلمان الإيراني الذي لم يوافق عليها حتى الآن، كما أن تخصيص وزارة النفط مبلغ 400 بليون دولار ليس أمراً سهلاً، خصوصاً الآن، إذ تعاني البلاد من وطأة الحصار الغربي المفروض عليها، ومقاطعة معظم شركات النفط وشركات الخدمات الهندسية والمصارف العالمية لها بسبب القوانين في بلادها. وهكذا يصبح من الصعب جداً في ظل هذه الظروف الصعبة زيادة الإنتاج من مستواه البالغ 2.9 مليون برميل يومياً في كانون الأول (ديسمبر) 2012 إلى طاقة إنتاجية بنحو 5.5 مليون برميل يومياً في آذار 2016.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل لإيران الإمكانية لزيادة طاقتها الإنتاجية إلى 5.5 مليون برميل يومياً؟ والإجابة هي: كانت إيران تنتج نحو ستة ملايين برميل يومياً قبل الثورة الإسلامية، وحاولت كثيراً خلال التسعينات الوصول إلى مستوى إنتاجي بحدود أربعة ملايين برميل يومياً لكن من دون جدوى. واستمرت الطاقة الإنتاجية بحدود 3.5 مليون برميل يومياً فقط على رغم الارتفاع الكبير في الأسعار. وبعد الهبوط الكبير في الإنتاج وتجميده من حقول كثيرة، لن يكون سهلاً الرجوع إلى الطاقات الإنتاجية السابقة من دون تنفيذ العديد من المشاريع لإعادة تأهيل الحقول، وهي عملية تتطلب وقتاً طويلاً وأموالاً ضخمة. ومر كل من العراق وفنزويلا بتجارب مماثلة خلال العقد الماضي.

أما الآن ومع استمرار الحصار لأكثر من سنة ومع تشديد متزايد للعقوبات مع مرور الوقت من قبل كل من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعلى رغم تصريحات قاسمي في لجنة التخطيط والموازنة في البرلمان الأسبوع الماضي التي ذكر فيها أن الصادرات النفطية انخفضت نحو 40 في المئة وأن قيمة الصادرات انخفضت نحو 45 في المئة بسبب العقوبات، يصبح من الصعب تصديق خبر تخصيص 400 بليون دولار للنهوض مرة أخرى بالقطاع النفطي. فمن أين ستحصل إيران على هذه الأموال الطائلة فجأة، وهي في ظل حصار قاسٍ جعل من الصعب عليها الحصول على العملة الصعبة بسهولة، وأدى إلى نقص كبير للدولار في الأسواق المحلية، ناهيك عن النقص في العديد من السلع والبضائع، خصوصاً الأدوية الأساسية، الأمر الذي اشتكت منه وزيرة الصحة علناً ما أدى إلى إقالتها؟ وكما هو معتاد في فترات الحصار هذه التي فرضت على دول شرق أوسطية أخرى، تنهار قيمة العملة المحلية ويعاني الاقتصاد تضخماً.

إذاً لماذا هذه التصريحات لقاسمي بتخصيص 400 بليون دولار لتطوير القطاع النفطي، وهي أموال غير متوافرة في خزينة الدولة، وليس سهلاً الحصـــول عليها خلال هذه الفترة؟ هل هذه التصريحات من باب الدعاية قبل الانتخــــابات الرئاسية في حزيران (يونيو) المقبل؟ وهل يعتقد قاسمي الذي تبوأ منصب وزير النفط بعد خدمته في الحرس الثوري، أن المواطن الإيراني ليــــس على دراية بما يجري حوله؟ وهل هناك أكثر من مواطني الشرق الأوسط اهتمـــاماً ومتابعــة لشؤون بلادهم ومنطقتهم، خصوصاً أولئك الذين اكتووا بما فيــــه الكفـــاية من سياسات حكوماتهم المغامرة؟ مؤكد أن الإجابة الأولى على قاسمــــي ستأتي من أعضاء البرلمان الذين سيتساءلون عن كيفية تحصيل 400 بليون دولار من خزينة تكاد تكون خاوية من العملات الصعبة.

تصريح قاسمي، الذي نقله عنه نائب في لجنة التخطيط، ما استدعى تكذيباً شديد اللهجة من الناطق الرسمي باسم وزارة النفط طلب فيه عدم نقل أي كلام عن وزير النفط من دون موافقة الوزارة أولاً، لا يعتبَر موجهاً إلى الرأي العام الداخلي، بل إلى زملائه وزراء النفط في دول «أوبك»، وهو تحذير غير مباشر من إعطاء العراق حصة إنتاجية تفوق تلك التي لإيران. ويتوقع أن تناقش المجالس الوزارية للمنظمة في اجتماعاتها القريبة المقبلة موضوع حصة العراق. لكن واضح أن كلام الوزير الإيراني لا يتطابق مع الواقع. فإنتاج العراق الحالي يزيد قليلاً على ثلاثة ملايين برميل يومياً (ما يزيد نحو مليون برميل يومياً عن إنتاج إيران)، ويتوقع ارتفاع الإنتاج العراقي إلى نحو 3.7 - 3.8 مليون برميل يومياً بحلول نهاية العام الحالي، والدلائل واضحة (على رغم كل مشكلات العراق وهي كثيرة) أن العمل جارٍ على قدم وساق لزيادة الطاقة الإنتاجية إلى معدلات أعلى بكثير.

*نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.