الاقتصاد المصري حقائق الخاطر أهم من منتجات القلب

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:
«الإنكار ليس نهرًا يجري في مصر»

مارك توين أديب أمريكي

الأسئلة الكثيرة لا تتوقف حول وضعية الاقتصاد المصري ومستقبله وأدواته و''صحته'' وبعض خرابه.. بل مصائبه، وهي في النهاية موازية لتلك التي تُطرح على الصعيد السياسي، ومعه الدستوري.. وحتى الإجرائي، كما أنها ''أسئلة'' وليست ''تساؤلات''، أي أنها تستوجب ردودًا مباشرة وواضحة ومحددة. فمصر الآن، لا تنعم بخاصية الأجوبة التحليلية، ولكنها تحتاج إلى الردود القاطعة، وأمامها مساحات زمنية لن تكون قصيرة، لكي يعم فيها (ويتواءم مع حالتها) التحليل الاقتصادي والسياسي في آن معًا. مصر ينبغي أن تكون في الخاطر والقلب (في آن معًا) في محنتها الراهنة، بحيث لا تتقدم ''منتجات'' القلب على حقائق الخاطر، مهما كان وقع آلامها ومصاعبها وهمومها. ففي الاقتصاد، ليس هناك أشد ألمًا من تأخر رواتب تقاعدية بسيطة، تمثل في نهاية المطاف ''ثروة'' شهرية ''هائلة'' لمتلقيها. ويشتد الألم، عندما تتراجع القيمة الحقيقية لهذه ''الثروة الهائلة''. فالجنيه الذي يشتري خمسة أرغفة اليوم، يشتري غدًا أربعة فقط! النتيجة، أن العملة تخضع لـ ''التخسيس'' من دون وجود نظام ''غذائي'' طوعي.

الاقتصاد المصري يحتاج اليوم إلى كل شيء. يحتاج إلى قروض واضحة وأخرى مُيسرة، وإلى هبات واستثمارات أجنبية، وتمكين قطاعات موجودة أصلًا. كما أنه يحتاج إلى رؤية واضحة بعيدة عن السياسة والتسييس، ولا دخل لها بجدل عقيم، حول أسلمة الاقتصاد أو مدنيته، وتقدم حركة الأسهم في ''بورصته'' يوما، وتراجعها أياما. ويحتاج أيضًا إلى الصراحة الخالصة. فلا يعقل أن يعلن رئيس الجمهورية -مثلًا- أن الاقتصاد المصري في حالة تحسن! ولا يوجد مسؤول يمكنه أن يتغنى ببيع سندات خزانة بلاده. هذا الاقتصاد في حالة تعاكس التحسن. صحيح أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الإفلاس، ولكن الصحيح أيضًا أن الأمر لن يكون غريبًا أو صادمًا فيما لو حدث بالفعل. لا داعي للإنكار. فحتى رؤساء الدول التي تتمتع باقتصادات متينة وراسخة وضاربة في عمق التاريخ، ليسوا في وضعية الآن، تسمح لهم بالإعلان عن تحسن اقتصاداتهم. فسياسة الإنكار، قد تنفع لوهلة في مفاوضات ما، ولكنها لا تستوي مع المعطيات على الأرض. فإذا كان الاقتصاد المصري ''في حالة تحسن''، فلماذا تتراجع قيمة عملته؟! وإذا كان ''في حالة تقدم''، فلماذا يتأخر حراك أدواته؟! وإذا كان ''يتعافى''، فلماذا تتآكل موجودات البنك المركزي؟! بل لماذا يُستبدل حاكم البنك في هذا الوقت بالذات؟!

ليسمح لنا الرئيس مرسي، بالقول: إن الاقتصاد المصري ليس في ''حالة تحسن''، بل هو في ''حالة خطر''، تستوجب المواجهة. ولجوؤه إلى صندوق النقد الدولي، جزء من هذه المواجهة، لكنه ليس الحل الحاسم لكل مصائبها. وكلما برعت الحكومة المصرية في مفاوضاتها مع ''الصندوق''، كلما أضافت قوة لهذا الجانب من الحل. فقروض ''الصندوق'' لم تأت في يوم من الأيام على شكل هبات، وفيها من المخاطر ما يوازي المحاسن. وعلى هذا الأساس يمكن أن يُثبت المفاوض المصري جودته، وقدرته في الحصول على قرض عالي الكفاءة، وشروط متدنية الأثر. فالتاريخ ''حفر'' أحداث 18 و19 يناير في ذاكرته، بعد أن استقرت في خواطر كل المصريين، والأمر ينطبق على كل البلدان التي مرت بهذه الحالة. ينبغي أن تكون الـ (4,8 مليار دولار) التي تسعى الحكومة المصرية للحصول عليها، فرجًا لا همًّا. و''نوعية'' هذه الأموال، مرتبطة بـ ''نوعية'' المفاوض، رغم كل الاتهامات بتواضع جدارته.

هناك الكثير أمام حكومة مرسي لكي تقوم به على الصعيد الاقتصادي، رغم الآثار السلبية للفوضى السياسية والتشريعية التي تسود البلاد حاليًّا. وهي فوضى لا تقتصر على الحالة الاحتجاجية الشعبية الدائمة، التي ينبغي أن تكون مرحلية، بل على المواقف المتباينة حتى داخل النظام الحاكم في مصر، وفي بعض الأحيان المواقف الخلافية داخل الجسم السياسي الواحد. هذه البيئة، لا تستقطب عادة المعاول الأخرى التي يحتاج إليها الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها، الاستثمارات الأجنبية، وتحديدًا العربية منها، والموارد السياحية التي ينظر إليها بعض كوادر النظام، على أنها ''رجس من عمل الشيطان''. فإذا كان من الصعب صد هذا ''الرجس'' بضربة واحدة، فيجب تقليص مساحته، ومنعه من الانتشار! هذا القطاع المحوري للاقتصاد المصري، يضيع الآن، بين ''الصد'' و''التقليص''.

لن يُبنى الاقتصاد المصري في بيئة متوجسة بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد. صحيح أن مصر تمر بمرحلة انتقالية، ولكن الصحيح أكثر أنه حتى في المراحل الانتقالية هناك ثوابت لا يمكن التفريط فيها، وهناك أسس يستحيل هدمها، وفي مقدمتها الاعتراف بما هو موجود على الأرض، لا بما تتمناه الأفئدة. وقبل هذا وذاك، رؤية واضحة لا إنكار ولا مبالغة فيها. إن مسؤولية الرئيس مرسي ونظامه مضاعفة بهذا الخصوص؛ لأنه لا يخوض معركة إصلاح اقتصادي، بل حربًا حقيقية لبناء اقتصاد آخر جديد لمصر الوطن والأمة، لا علاقة تربطه بـ ''اقتصاد مبارك'' ولا حتى بـ ''اقتصاد مرسي'' إن وُجد.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.