لي في تحويلات العمالة رأي

سعود الاحمد

نشر في: آخر تحديث:
البعض يظهر امتعاضا مبالغا فيه من خطورة تحويلات العمالة في الدول الخليجية، على اقتصادات هذه الدول. يساندهم في هذا معظم وسائل الإعلام التي تغرد بصوت ليس فيه نشاز «لمواجهة تحويلات العمالة». ويدعمون ذلك بأن التحويلات في السعودية وحدها قد وصلت خلال عام إلى ما يقارب 127 مليار ريال! وما أكثر من تحدثوا وكتبوا عن هذا الموضوع. بعضهم اكتفى بالإثارة على أنها قضية وخطر يستوجب تداركه، وبعضهم قدم الحلول لمعالجته... وما زالت المباراة بين مقترحي أنسب خيارات المعالجة. وكلها (مع الأسف) آراء متشابهة، لم تبنَ على دراسة علمية تبحث جميع السلبيات والإيجابيات والبدائل والآثار المترتبة على كل بديل... ولي في هذه القضية رأي.

وأرى ألا ننظر للمسألة من منظارها الضيق على أنها نزف مالي بحت، وكأنها تحويلات مالية دون مقابل. وإنما تحسب من زاوية الجدوى الاقتصادية وأثرها على الاقتصاد الوطني، فالعامل الذي يحول لبلاده ألف ريال شهريا أو ما شابهه، قد نشعر بأنه في كمه وتراكمه نزف لمواردنا المالية. لكن الذي ينبغي أن نسأله بداية: كم أضاف هذا العامل للاقتصاد الوطني؟! وقبل كل شيء يجب أن نعترف بأننا في دول الخليج العربية بحاجة للعمالة؛ لأن لدينا مهنا لن يقبل عليها المواطن حتى لو أصابه الفقر، في ظل ثقافة مجتمعنا الحالية. لكنها مهن مقبولة في مجتمعات أخرى. كما أن من المصلحة لمجتمعنا واقتصادنا أن نستثمر معطياتنا الحالية لنعلم طاقاتنا البشرية وندربهم ليتقنوا المهن العليا ذات الدخل الأعلى؛ لنجعل منهم خبراء ومهنيين، عوضا عن أن نجعل من غالبية المجتمع عمالا بمهن دنيا.

وبناء عليه فإن العبرة ليست بحجم تحويلات العمالة واعتبارها نزفا للاقتصاد الوطني، بقدر ما هو حاجتنا للمهنة وما قدمه هذا العامل للاقتصاد الوطني. فهناك عمالة من المصلحة بقاؤهم وإن حولوا رواتبهم لبلدانهم، وبالمقابل هناك من يجب إبعاده عن البلاد وإن لم يحول شيئا. ومن هنا يجب أن تكون معادلة المفاضلة بين من يستحق التحويل لبلاده وبين من لا يستحق؟ وما هي الخيارات البديلة المتاحة؟! وحتى نقطع الشك باليقين... يمكن النظر إلى هذه القضية من منظار أكثر شمولية، بمقارنة ما يضيفه مجموع العمالة الوافدة للاقتصاد الوطني بما يحولونه من مبالغ لبلدانهم.

كما يمكن تفكيك هذه المعادلة بمقارنة ما تحوله كل شريحة وأصحاب مهنة ومستوى ومجال مع ما يحولونه من مبالغ، ومن ذلك يمكن عمل معادلة مصفوفة رياضية لتحديد «أين يكمن النزف الذي يجب أن يتوقف؟!»، ومن هم الفئات التي يجب التقليل منهم؟! والفئات التي يجب الاستفادة منهم أكثر؟

وختاما... لنتذكر أننا إذا ضيقنا على العمالة المهرة فيما يكسبون، فإن النتيجة الحتمية أننا سنعمل على هجرتهم، ونبقي فقط على قليلي المهارات. ناهيك عن أننا سنضطر العمالة إلى اتباع أساليب أخرى ملتوية لتحويل مدخراتهم ومكتسباتهم (وما أكثر الخيارات المتاحة). ولا ننسى أن ما نتج عن فرض الرسوم على إقامات العمالة، يدفع أضعافه المستهلك الأخير وهو المواطن.

ومن جانب آخر: من يدري، ربما يكون رزقنا هذا الذي من غير حول لنا ولا قوة، بسبب هذه العمالة التي ترزق من خلالنا ليذهب الخير من بلادنا لينتشر في مختلف أرجاء المعمورة؟

*نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.