عاجل

البث المباشر

كل شيء تحدث عنه محافظ مؤسسة النقد ما عدا ..؟

كانت معلومات ثرية جدا تلك التي أوردتها ''الاقتصادية'' عن محافظ مؤسسة النقد منتصف الأسبوع الماضي؛ فالمؤسسة جاهزة الآن لاستقبال طلبات ترخيص وإنشاء شركات التمويل العقارية وإعادة التمويل، وفي جانب البنوك السعودية لا توجد مبالغة في الفوائد التي تأخذها المصارف على القروض، كما أن المصارف السعودية أتمت متطلبات بازل2، بل تفوقت عليها، وهي جاهزة لمتطلبات بازل3، وأن أنظمة الدفع في السعودية متطورة جداً، مع أن المحافظ لم يكن مسرورا من كثرة أعطال أجهزة الصراف الآلي، وأن نسبة 30 في المائة من الراتب لسداد القروض تعتبر نسبة مناسبة، وأن القروض الشخصية بلغت 300 مليار ريال تم تقديمها لأربعة ملايين شخص، وهي تمثل 30 في المائة من القروض في المصارف، وأن معدلات التحصيل مرتفعة جدا؛ ما يدل على أن الإقراض يتم لأفراد ذوي ملاءة مالية جيدة. وأكد المحافظ أن هذا الإقراض يمثل 11 في المائة من حجم الاقتصاد المحلي، وهو معدل معقول ومناسب، وأن المؤسسة تقوم حاليا بتحديد كل الرسوم التي تقتطعها المصارف من الأشخاص مقابل الخدمات المقدمة. وهذه جميعها معلومات ممتازة عن البنوك ومطمئنة إلى حد بعيد مع ما نسمع ونقرأ أخيرا عن حجم الديون المشكوك فيها وارتفاع نسب المخصصات التي في مقابلها. ورغم إعجابي بكل ما قاله المحافظ، لكن بقي لدي سؤال: أين حق المواطن في أمواله التي تستثمرها البنوك؟

من خلال قراءة سريعة لنتائج المؤتمر الصحفي الذي عقده المحافظ نجد أن البنوك في وضع آمن جدا ومستقر وتتجه إلى مزيد من الاستقرار، وهذا رائع ولا يختلف عليه اثنان، لكن ماذا عن المواطن يا معالي المحافظ؟ المواطن البسيط الذي تودع أمواله جبرا في هذه البنوك، حتى الصرافات تتعطل وهي أبسط حقوقه على هذه البنوك، وكم من البسطاء في أطراف هذا الوطن المترامية نامت أعينهم وبطونهم خاوية بلا عشاء، لا لشيء إلا أن صرافات البنوك لا تعمل هناك، أو أنها ـــ إن كانت موجودة ـــ فارغة بلا أموال؛ لأن البنك حريص على ألا يثقلها بأموال المودعين. وفي المدن الرئيسة ما زالت نقاط البيع في الأسواق والمراكز التجارية تعمل بخطوط هاتفية مضى عليها الزمن، وعندما يقرر مواطن أن يدفع ببطاقته المصرفية ومن حسابه الخاص مباشرة فإنه سيكون محظوظا جدا لو تمت بلا انقطاع وانتظار لمدة 24 ساعة قبل أن تعود له أمواله التي فقدت في الاتصال، ولعلها تعود، وإذا بلغ به سوء الحظ مداه ونسي أن يملأ محفظته بالنقد فعليه الهرولة بحثا عن جهاز صراف يعمل قبل أن يغلق المركز التجاري، ولات حين مناص، ولن تجدي بطاقات الائتمان (فيزا وماستركارد) فهي غير مقبولة في كثير من المراكز التجارية. من الجميل فعلا أن يشير المحافظ إلى هذه القضية ويؤكد أنه غير مسرور بها، وهذا يطمئننا بأن مؤسسة النقد ليست مغيبة عنها لكن ـــ مع الأسف ـــ فإن العلم وعدم السرور وحده لن يحل المشكلة.

لم يتطرق معالي المحافظ إلى مشكلتنا الأصيلة في طريقة حساب الفوائد على القروض والتمويل ومشاكلنا المستعرة مع ما يسمى منتجات التمويل الإسلامي التي تتضمن نماذج من حساب الفوائد جعلت الحكيم فيها حيران، وكيف لا ينفع معها تعجيل سداد القرض، ولن ينفع كذلك في التخلص من فوائد القروض؛ لأن البنك يعالج تسديد الفوائد كلها قبل تسديد القرض محاسبيا، ثم يلزم المواطن بنتائج تلك المعالجات المحاسبية وكأنها جزء لا يتجزأ من العقد، فإذا عاجل المواطن بسداد القرض عاجله البنك بمفاجأة أنه سدد فقط جزءا من الفوائد وبقي عليه كامل القرض ونصيب وافر فوائد أخرى، ثم إذا طلب بعد السداد حقه في الحصول على ما يسمى خطاب إخلاء الطرف فإن عليه الانتظار لأشهر، وقد يحتاج إلى الاستعانة بصديق، ظلمات على المواطن بعضها فوق بعض.

لقد كتبت قبل أشهر عدة مقالا هنا بعنوان ''المصارف وودائع الناس.. هل من فتوى يا فضيلة المفتي؟ وسأعيد بعضا مما كتبت (مع الاعتذار للقراء عن هذا) فلقد تجاوزت الودائع المصرفية لدى البنوك 1.1 تريليون ريال، منها أكثر من 700 مليار ريال، هي ودائع بلا فوائد، أي أكثر من 700 ألف مليون ريال حقوق للمواطنين تعمل بها البنوك مجانا. وقلت حينها ـــ كمثال إن البنوك حققت أرباحا خلال النصف الأول من عام 2012 تصل إلى 18.11 مليار ريال. كما استعنت بمثال عن أحد البنوك الذي بلغت أصوله التي يعمل بها وتدر عليه الدخل قريبا من 180 مليارا، (الودائع فقط بلغت قريبا من 150 مليارا)، وبينما تعود الأرباح كافة التي حققها البنوك للمساهمين (خاصة كبار المؤسسين) الذين موَّلوا أقل من 6 في المائة، يبقى المودعون الذين موّلوا بأكثر من 70 في المائة بلا شيء حتى في مستوى الخدمات المقدمة لهم. ومن المحزن فعلا وبعد هذه الحقائق أن نسمع بأن حرص مؤسسة النقد على حقوق المواطن عند البنوك لن يتجاوز تحديد (وليس حتى إلغاء) كل الرسوم التي تقتطعها البنوك منهم في مقابل الخدمات المقدمة لهم. وللحقيقة فإنني عندما قرأت كلمة الخدمات التي تقدمها البنوك للمواطن قفز إلى ذهني فورا مقال قديم لجهاد الخازن في جريدة ''الشرق الأوسط'' أشار فيه إلى نوع مميز من الخدمات، ولعل القارئ يستنير به لفهم أشمل عن خدمات التي حصل عليها المواطن بشكل عام.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات