الصناعة النفطية العالمية سمتها متغيرات مستمرة

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

يعتبر التغيير سمة أساسية لصناعة النفط العالمية، أكان في التكنولوجيا، أو تغير موازين العرض والطلب أو منافسة البدائل المستدامة، ناهيك عن المنافسة بين النفوط التقليدية وغير التقليدية. وهناك طبعاً المتغيرات الجيوستراتيجية التي تبقى هادئة لفترة طويلة ثم تنفجر بسبب وصول قيادات سياسية تحاول أن تغير الأمر الواقع لصالحها. وتحاول الشركات النفطية التعامل مع هذه المتغيرات معاً، معتبرة إياها جزءاً من الأخطار التي تواجه الصناعة، وتعتبَر ناجحة الشركات التي تتهيأ للتعامل مع هذه المتغيرات والتأقلم معها.

استعرض أخيراً الرئيس وأبرز الإداريين التنفيذيين في شركة «أرامكو السعودية» خالد الفالح، المتغيرات الأساسية التي تواجه صناعة النفط العالمية من خلال خطاب ألقاه في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأسبوع الماضي، خلال المؤتمر السنوي لمجموعة كامبريدج لبحوث الطاقة. وتعكس الكلمة تصورات أحد أهم قيادات صناعة النفط في العالم، وهي ألقيت أمام أحد أهم اللقاءات النفطية العالمية، إذ تشارك في المؤتمر مجموعة من كبار المسؤولين النفطيين في شركات وطنية أو عالمية وشركات للخدمات الهندسية. وحدد الفالح أربعة متغيرات تواجه صناعة الطاقة العالمية كالآتي:

أولاً: ثمة نمو معتدل في الطلب العالمي على الطاقة عموماً والنفط خصوصاً. وهذا الوضع الجديد يختلف عن التوقعات السابقة لأزمة المال العالمية لعام 2008 والتي كانت تشير إلى نمو عالٍ للطلب، بل إن بعض التوقعات رجحت حصول نمو يفوق ما هو متوافر من إمدادات. لكن الوضع الآن اختلف بسبب الانكماش الاقتصادي العالمي، وزيادة معدلات ترشيد استهلاك الطاقة بسبب تغير نمط النمو الديموغرافي، والدعوات العالمية إلى تحسين حماية البيئة، وتغير سياسات الطاقة ذاتها.

وبينما تشير المعطيات المتوافرة إلى زيادة معتدلة في الطلب على النفط الخام، ما يعطي الثقة للشركات في استثماراتها النفطية، لا تشير الزيادة في الطلب إلى حال من عدم التوازن في الأسواق، أو إلى ضغط على الصناعة النفطية يؤدي إلى هفوات في أدائها. والحقيقة أن وجود زيادة معتدلة في الطلب على النفط هو أمر صحي للصناعة النفطية.

ثانياً: تقلصت المخاوف المبالغ فيها من نقص أو انقطاع للإمدادات أو فقدان لأمنها، فبعدما حفلت وسائل الإعلام العالمية خلال السنوات الماضية بأخبار وتعليقات عن قرب نهاية صناعة النفط العالمية، واحتمال وصول العالم إلى مرحلة «ذروة النفط»، أي عدم وجود احتياطات نفط كافية لتلبية الطلب المتزايد على النفط مستقبلاً، تتحدث وسائل الإعلام العالمية عن توافر إمدادات فائضة من النفط الخام والغاز الطبيعي، والنجاح الباهر لشركات النفط العالمية خلال السنوات القليلة الماضية في تأمين الإمدادات اللازمة على رغم الانقطاعات في الإمدادات هنا وهناك.

هذا التغيير في التفكير يعكس نجاح الشركات النفطية في اكتشافاتها المتعددة والمستمرة، والتي تشمل استخراج النفط غير التقليدي الذي يزيد تحديات الاستكشاف ويستدعي الحصول على تكنولوجيا عالية جديدة، بالإضافة إلى الحفاظ الدقيق والصارم على البيئة. والهدف من كل هذا هو التأكد من بقاء السوق النفطية العالمية متوازنة لجهة العرض والطلب، بالإضافة إلى تبيان حيوية الصناعة النفطية العالمية واستعدادها لتحمل مسؤولياتها.

ثالثاً: فرضت الأزمات المالية العالمية على أصحاب القرار في مختلف أنحاء العالم إعادة النظر في أولوياتهم وكيفية استثمار الأموال المتوافرة لبلادهم. وأصبح واضحاً، بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية، أن الاستمرار في إنفاق الأموال من دون رادع لم يعد ممكناً، برزت ضرورة اتخاذ قرارات صعبة في خصوص تقليص النفقات وترشيدها. واتضح أيضاً لأصحاب القرار أن بعض سياسات الطاقة ونظمها قد تكون مضرة لاقتصاد البلاد ولقدرة الدولة على منافسة الدول الأخرى. وأصبح واضحاً أيضاً أن تحسين العوامل الاقتصادية أمر ضروري، ليس فقط لصالح اقتصاد الدول بل أيضاً لصالح المستهلكين. وهذه الحقيقة الاقتصادية ستبقى معنا لفترة طويلة جداً.

رابعاً: بناء على الأزمات المالية والاقتصادية، يُعاد النظر في اقتصادات الدول وفي دور الطاقة المستدامة والسياسات البيئية. فسياسات التقشف التي تمارسها بعض الدول قد دفع الحكومات إلى إعادة النظر في برامجها الخاصة بالطاقات المستدامة، لجهة حجم الدعم المالي الواجب تأمينه لنجاح هذه البدائل. وأثّر انخفاض أسعار الغاز الطبيعي أيضاً في البدائل التي كانت تستخدَم في توليد الكهرباء (الفحم الحجري والطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح). فالمعطيات المتوافرة تشير إلى ضرورة إعادة النظر في البدائل المنافسة للنفط والغاز، ما يتطلب رسم سياسات أكثر واقعية حول إمكانية شيوع هذه البدائل واستخدامها.

المهم في الأمر هو سعر كل مصدر طاقة، ومدى إمكانية منافسته للبدائل الأخرى المتوافرة. فإذا أصبح في الإمكان الحصول على أسعار معقولة للبدائل، يجب عندئذ النظر في الاستثمار في هذه البدائل. وأعرب الفالح عن اعتقاده بأن «دوراً مهماً للبدائل المستدامة سيبرز في المدى البعيد، ونحن ملتزمون الاستثمار في هذه البدائل».

وبالنسبة إلى البيئة، أدت سياسات التقشف إلى تقليص اهتمام الحكومات بالاستثمار الواسع في هذا المجال. أما الاهتمام بتحسين التنافس التجاري، فأدى بالحكومات المعنية إلى إعطاء أهمية أكثر إلى رغبات المستهلكين، وكذلك إلى تقليص النفقات والالتزامات المترتبة على القطاع الخاص من خلال الحد من قوانين وضرائب البيئة. كل هذا من أجل تحسين المنافسة. وهذا لا يعني البتة أن الدول أو شركات النفط تغض النظر عن البيئة. وهنا أكد الفالح أن «هدفنا هو إيجاد توازن أحسن ما بين البيئة والأهداف الاقتصادية»، وهذه ليست سياسة عقلانية فقط بل ضرورية أيضاً، لتأمين إمدادات طاقوية بتكاليف اقتصادية منافسة مستقبلاً.

تشكل العناوين والتحديات التي طرحها الفالح مفاصل مهمة في صناعة الطاقة العالمية حالياً وخلال السنوات المقبلة. وهي مسائل ذات أهمية، خصوصاً لصناعة النفط العربية ومن ثم الاقتصاد الإقليمي.

*نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.