عاجل

البث المباشر

أهمية النفط لاحتلال العراق

تصادف هذه الأيام الذكرى السنوية العاشرة للاحتلال الأميركي للعراق، ولا يزال الغموض يكتنف كثيراً من جوانبه. فاليمين الأميركي برره بالسعي إلى القضاء على الإرهاب الدولي إثر هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2011، وتدمير أسلحة الدمار الشامل، وتحويل العراق إلى مثال للدولة الديموقراطية يُحتذى في الشرق الأوسط. لكن واشنطن لم تتحدث علناً عن جوانب أخرى مهمة لا يمكن أن تكون غابت عنها، خصوصاً دور النفط العراقي في المصالح الاقتصادية الأميركية والمصالح الإستراتيجية الإسرائيلية.

تدل المعطيات المتوافرة على أن الهجمات على نيويورك وواشنطن كان من تخطيط «القاعدة» وتنفيذها وأن لا علاقة للسلطات العراقية السابقة بها. وبينت المعلومات التي توافرت لمفتشي الأسلحة الأميركيين، بعد سنوات من التفتيش الدقيق في العراق، إضافة إلى تقارير مفتشي الأمم المتحدة وإفادات مسؤولين عراقيين سابقين، أن العراق لم يكن يملك قبيل الاحتلال برامج لتصنيع أسلحة الدمار الشامل، وأن المعلومات التي تسربت إلى الاستخبارات الأميركية من عملائها أو من فارين من النظام العراقي السابق، كانت إما غير دقيقة أو مختلقة.

وعلى صعيد الدولة الديموقراطية المثالية الموعودة، أُسِّست دولة جديدة ضعيفة مبنية على قواعد طائفية زرِعت فيها بذور التفكك. ومع توافر الحريات في البلاد، لا تزال الديموقراطية مسخاً، ناهيك عن ضعف الدولة بما لا يمكّنها من الاستفادة من خبرات مواطنيها في بناء عراق جديد. وغضت الولايات المتحدة الطرف منذ اليوم الأول للاحتلال عن استشراء الفساد في الدولة والذي تحول سريعاً إلى «مال سياسي» يُستعمَل لشراء الولاءات.

ويصعب الاستخفاف بأهمية إضعاف العراق للمصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية، على رغم محاولات الأميركيين التعمية على هذا الأمر، فالمسؤولون ووسائل الإعلام في إسرائيل لم يخفوا فرحتهم وتفاؤلهم بالتغيير. وأُطلِقت توقعات إسرائيلية بتصدير النفط العراقي إلى الدولة العبرية من خلال إعادة تشغيل خط الأنابيب الممتد من كركوك إلى حيفا، ما اضطر وزير النفط العراقي حينئذ إلى نفي الخبر، ولفت النظر إلى أن الخط لم يعد موجوداً إذ فُكِّك بعد قيام إسرائيل عام 1948. وادعت إسرائيل أن لديها وعوداً من أركان في النظام الجديد بإعادة تزويدها بالنفط.

وعلى رغم التغطية الإعلامية الواسعة للحرب، قلما أُشير علناً إلى النفط، إلا باستحياء وفي مذكرات أو تصريحات لمسؤولين بعد استقالتهم أو تقاعدهم. كانت الشركات الأميركية ضاعفت حجم وارداتها من النفط العراقي بعيد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً شركة «إكسون موبيل». وخلال التخطيط للاحتلال، حاولت الولايات المتحدة فرض هيمنة شركاتها النفطية على عمليات التطوير والإنتاج والتسويق الخاصة بالنفط العراقي. إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل لأسباب منها الاستنكار الواسع لمحاولة إبطال تأميم صناعة النفط المحلية، خصوصاً بعدما تبين أن الكادر المحلي استطاع القيام بهذه العمليات كلها وفي ظروف صعبة جداً. واستهجنت الدول الحليفة المشاركة في الاحتلال محاولة الهيمنة هذه، مدافعة بذلك عن مصالح شركاتها النفطية.

وهدفت الولايات المتحدة أيضاً إلى زيادة إنتاج النفط العراقي، كي تشكل إمداداته رديفاً مهماً لنفوط الدول المنتجة الكبرى الأخرى، بهدف تحقيق استقرار الأسواق في الظروف الاعتيادية والاستثنائية. لكن صعوبات كثيرة واجهتها، أهمها تدمير المنشآت النفطية بسبب الحروب المتتالية، والحاجة إلى تغيير قوانين البلاد، ناهيك عن العمليات الإرهابية التي استهدفت الصناعة النفطية حينئذ. لذلك تغيرت الأولويات، فأُوكِلت المهمة الأولى إلى شركات الخدمة الهندسية الأميركية لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وتأجل موعد إطلاق دورات التراخيص للشركات الأجنبية حتى 2008. وكان السبب الرئيس لهذا القرار تدهور أسعار النفط إثر أزمة المال العالمية، والحاجة الماسة لحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى ريع نفطي إضافي لتغطية رواتب موظفي الدولة والمتقاعدين.

ولدى وضع دستور 2005 المثير للجدال، شارك في الصياغة سفير أميركي متقاعد التحق بعدئذ بإحدى شركات النفط العاملة في إقليم كردستان، علماً بأن عدداً من السفراء الأميركيين في بغداد عينوا بعد تقاعدهم مستشارين في شركات النفط العاملة في العراق. وبادر ثلاثة خبراء نفط عراقيين إلى صياغة مشروع قانون النفط والغاز، لكن وعلى رغم إحالته من الحكومة إلى مجلس النواب في شباط (فبراير) 2007، لم يوافق المجلس عليه بعد، نظراً إلى تضارب مصالح الكتل السياسية.

وبادرت وزارة النفط إلى إطلاق أربع دورات للتراخيص، وأُعلِن عن إطلاق دورة خامسة خلال الأشهر المقبلة. لكن هناك جوانب لافتة في التراخيص، الأول استحواذ الشركات الآسيوية على غالبية العقود، والثاني مبالغة الشركات بداية في تقدير الطاقة الإنتاجية من الحقول المعنية قبل خفض هذه التوقعات، فأصبح مستبعداً إنتاج 12.5 مليون برميل يومياً في البلاد بحلول 2017، بل تسعة ملايين فقط، وهذا المعدل خاضع لإعادة نظر مستمرة، والثالث الصراع الدائر بين وزارة النفط وحكومة إقليم كردستان، فالوزارة وضعت أي شركة نفطية تعمل في إقليم كردستان على قائمة سوداء ومنعتها من العمل في بقية أنحاء العراق، لكن «إكسون موبيل» قررت العمل في إقليم كردستان على رغم التحذيرات لها بعدم إمكان استمرار عملها في جنوب العراق، ما قد يمهد الطريق أمام شركات أخرى للقيام بالأمر ذاته.

والتحدي الأهم أمام قطاع النفط العراقي اليوم هو إيجاد معادلة عقلانية تردع الحكومة المركزية عن وضع اليد على الريع واستعماله للحكم بأساليب ديكتاتورية، وإهمال تنمية المحافظات والأقاليم. وفي ظل النظام الفيديرالي يجب أن يتصرف المسؤولون خارج بغداد بمسؤولية وشفافية بالريع النفطي المتوافر لهم. والتحدي الآخر هو موقف العراقيين من دعم صناعة محلية إستراتيجية استطاعت رفع الإنتاج إلى معدلات قياسية (نحو 3.5 مليون برميل يومياً أواخر السبعينات).

أما بالنسبة إلى التعامل الأمثل مع الشركات الدولية فثمة خيارات كثيرة، منها عقود الخدمة الهندسية وعقود مشاركة الإنتاج، ومنها، مثلاً، الاقتداء بصيغة توصل إليها وفد نفطي عراقي مع شركات يابانية أوائل 1990 وقضت بزيادة إنتاج العراق إلى ستة ملايين برميل يومياً وتمويل الشركات اليابانية نسبة عالية من هذا التطوير في مقابل ضمانات بزيادة التصدير إلى السوق اليابانية. وعلى صعيد تصدير النفط العراقي، فهو كان دائماً متاحاً لكل دول العالم باستثناء إسرائيل، وبالفعل، زادت الشركات الأميركية وارداتها من النفط العراقي حتى ثلاثة أضعاف بعيد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة