بين السياحة والاستثمار

عبد العزيز بن علي المقوشي

نشر في: آخر تحديث:

لست ممن يهوى الكتابة عن نيات البشر.. كما أنني لا أستظرف النقد السلبي الذي ينال من شخصيات عامة وإن كان من حقي ذلك.. لكنني أبتهج كثيراً بتناول ما يرتبط بمصلحة الوطن والمواطن وأجد أن من واجب الإعلامي الثناء على العمل الصحيح وتعظيم الإشادة به وذكر مساوئ العمل الهزيل أملاً في الحصول على معالجة له.. وعندما أعود بالذاكرة قليلا في عمر الأوطان يتزاحم في جوانبها تأسيس هيئتين وطنيتين في وقت واحد هما هيئة السياحة (والآثار فيما بعد) وهيئة الاستثمار..

وأمام تلك الهيئتين خاصة في مراحل تأسيسهما تحديات جسيمة (تعرفت على كثير منها) بين رفض حاد لما يمكن أن يطلق عليه "سياحة" في مجتمعنا "الرافض دوما لما هو جديد!! وبين ما يمكن أن يتخذ من إجراءات لتسهيل عمليات الاستثمار وبالتالي جلب المستثمر.. ثم أطلقت للذاكرة العنان لوصف مراحل التأسيس لهما وما رافقهما من حضور إعلامي لأجد مفارقات عجيبة فالحضور الإعلامي لهيئة الاستثمار في نظري كان يمكن تشبيهه بحفلات راقصة جعلتنا نتراقص طرباً وابتهاجاً وفرحاً بالقادم من الاستثمارات الأجنبية وما ستحققه للوطن من نماء اقتصادي وما ستحققه للمواطن من فرص وظيفية وصلت أرقاماً فلكية حتى أننا كدنا نحتفل بقرب طمس ما يمكن أن نطلق عليه البطالة الوطنية!!

بينما كان حضور هيئة السياحة الإعلامي هادئاً قريبا من الواقع بعيداً عن المبالغة دون ضوضاء صاخبة أو تخف إعلامي مضلل.. كان الحضور إعلامياً بحق وكانت الإنجازات ولا تزال تتوالى محققة نماء وطنياً في مجال أعمالها وفق استراتيجية وطنية طموحة الأمر الذي جعل من صناعة السياحة أمراً مقبولاً وممارستها شيئا من الواقع لا من ضرب الخيال.

فالواقع "وليس الأخبار الإعلامية" أثبت أنّ الهيئة خدمت وستخدم الشأن السياحي بما يعود على الوطن والمواطن واقتصادياتنا بالخير العميم.. كما أنّ هذه البرامج والأنشطة والعمل "غير المألوف" الخارج دوماً عن "صندوق التفكير" جعل من هيئة السياحة أنموذجاً إيجابياً فريداً أتمنى أن تحذو حذوه كثير من القطاعات الخدمية في وطننا العزيز، فمن أتممة لخدماتها وإدخال التقنية بما ييسر على المستفيد الوصول إلى مبتغاه مروراً بالتشديد والرقابة والتدقيق في موضوع قطاعات وخدمات السياحة الوطنية إلى الرفع للمقام السامي "وهو ما حظي بموافقته الكريمة" لتأسيس شركة للضيافة التراثية، وهي خطوة في نظري تحتاج كثيرا من التشجيع والتأمل فيها أيضاً، فنحن في وطن "يغص" بالمكتسبات الطبيعية والتراثية أيضاً لكننا نغفل عنها كثيراً ونبتعد عما يمكن تسميته ب"الابتكار والمبادرة" في الفكرة والتوجه وآليات التطبيق، ولعلّ التوجه الجديد لفتح آثارنا للزائرين للتعرف عليها وقراءة تاريخ هذه الأرض جدير بالإشادة أيضاً.

كما أنّ تنظيم زيارة لعدد من رجال الدين وأصحاب الفقه والمعرفة الشرعية لهذه الآثار خطوة في الاتجاه الصحيح نحو توجه إيجابي يسعى للتعريف بهذه المواقع التاريخية واستثمارها، وهو موضوع يقلقني "شخصياً" بشكل كبير.. فأنا وكافة أسرتي لم نتمكن من زيارة غار حراء الذي كان يختلي فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم أتمكن من شرح ما تم فيه وما هو وما يرتبط به لأبنائي، وقد طاف في خاطري تساؤل وطني وديني أيضاً حول إمكانية تنظيم رحلات "عبر القطار الكهربائي" تمر على هذه المشاعر المختلفة ليطلع من يرغب عليها مع وجود مرشد سياحي يوضح كل ما يتعلق بها، وفي نظري أنّ مثل هذا الإجراء سيحقق إيجابية ترتبط بمعرفة تثقيفية بشأن يرتبط بالدين الإسلامي الحنيف، ويبتعد بل ويمنع أي تخوف من شركيات قد ترتبط بذلك لا سمح الله، كما أنّه سيمثل استثماراً في مجال ما يمكن أن يطلق عليه "السياحة الدينية"، وهو مصطلح ربما لا نرغب استخدامه، لكنه واقع يفرض نفسه.

وما تنظيم الملتقيات السياحية من خلال الهيئة وفق رؤية تغوص في العمق بدلاً من تلك الاحتفاليات التي قد لا تسمن ولا تغني من جوع إلاّ جزءاً من التكوين الاستراتيجي والخطط بعيدة المدى التي تهدف أولاً وأخيراً إلى خدمة الوطن والإنسان الذي يعيش على أرضه.. ودمتم.

*نقلا عن صحيفة الرياض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.