أزمة قبرص والتداعيات الإقليمية

عبد العزيز العويشق

نشر في: آخر تحديث:

أسهمت أزمة قبرص في هز الثقة في النظام المصرفي في منطقة الاتحاد الأوروبي التي يتوقع أن تستمر في مرحلة ركود اقتصادي خلال عام 2013، مما سيؤثر على علاقات الخليج وتجارتها مع أوروبا، ويتطلب البحث عن شراكات أخرى للفترة القادمة

من المتفق عليه أن التأثير المحلي لأزمة قبرص سيكون كبيراً وحاداً وسريعاً، حيث يتوقع أن ينكمش الاقتصاد القبرصي بنسبة لا تقل عن عشرة بالمئة خلال عام 2013. وأهم عامل مؤثر هو القرار الذي اتخذ بتحميل المودعين عبء تمويل حزمة الإنقاذ البالغة (13) مليار يورو، حيث سيقوم كبار المودعين (فوق 100,000 يورو) بدفع ضريبة يمكن أن تصل إلى (60) بالمئة من حجم ودائعهم.

والأمر على هذا النحو بمثابة مصادرة غير مسبوقة في منطقة اليورو، فلم يسبق للاتحاد الأوروبي تجربة هذا الأسلوب، ولم يطلب من المودعين دفع تكاليف حزم الإنقاذ الأخرى في اليونان وإسبانيا وأيرلندا على سبيل المثال.

ولكي تحدّ قبرص من هروب رؤوس الأموال نتيجة هذه الإجراءات، وضعت قيوداً مشددة على استرداد الودائع وتحويل الأموال، ففي المرحلة الحالية على الأقل لا يُسمح للمودعين بسحب أكثر من (300) يورو للفرد. أما بطاقات الاعتماد فيُسمح باستخدامها دون قيود داخل قبرص، أما فيما يتعلق بالمعاملات خارجها فقد تم تحديد سقف لا يتجاوز (5000) يورو في الشهر للفرد.

وفي الوقت نفسه ستتغير ملكية البنوك في قبرص بشكل جوهري، حيث سيصبح المودعون الذين كُلفوا بدفع الضريبة مالكين للبنوك بقدر ما دفعوه من ضرائب، وبناء على ذلك فقد نرى قريباً المودعين الروس وغيرهم من الأجانب وهم يملكون حصصاً كبيرة من بنوك قبرص. وربما لا يرغب بعض هؤلاء المودعين في التملك، لما قد يتطلبه ذلك من تسليط الأضواء عليهم، وهم اختاروا قبرص لكي يختفوا عن الأنظار بسبب مصادر ثروتهم.

وبالطبع فإن المودعين هم الخاسر الأكبر في قبرص، ولكنهم ليسوا وحدهم. فالبنوك القبرصية ستخسر أيضاً، لأن العملاء لن يحرصوا على إيداع أموالهم في البنوك مستقبلاً بعد أن أصبحت الودائع عرضة للمصادرة جزئياً أو الفقدان كلياً، بل إن النظام المصرفي بأكمله قد أصبح تحت سحابة من الشكوك وعدم الثقة، بحيث سيكون من الصعب اجتذاب المودعين، مواطنين أو أجانب، لأنهم سيخشون من جولة أخرى من الضرائب مستقبلاً.

ولكن هل لما يحدث في قبرص أهمية للنظام المالي العالمي؟ وماذا يعني لبنوك الخليج وعملائها؟
ردود الفعل الأولية في الأسواق العالمية تبدو محدودة، باستثناء أسهم البنوك التي انهارت أسعارها في عدد من الأسواق، مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا وحتى ألمانيا، حيث انخفضت أسعار بعض تلك الأسهم (45) بالمئة. ويدل حجم صفقات البيع إلى هلع كثير من المستثمرين ورغبتهم في تخفيض حصة أسهم البنوك في محافظهم الاستثمارية. ويعود السبب في محدودية ردود الفعل إلى أن قبرص ليست أول دولة أو أكبر دولة في منطقة اليورو تمر بهذا النوع من الأزمات، بل تبدو تلك الأسواق أكثر قلقاً على ما يحدث في إيطاليا وحكومتها الجديدة، وإمكانية أن تقوم وكالات التصنيف الائتماني بتخفيض تصنيفها الائتماني مرة أخرى.

ولكن ردود الفعل المحدودة لما حدث في قبرص مثيرة للقلق أيضاً. فعلى سبيل المثال، ترى وكالة التصنيف (موديز) أن عدم وجود ردود فعل قوية لأزمة قبرص قد يشجع صناع القرار في الاتحاد الأوروبي على تكرار وصفة قبرص في دول أخرى، بحيث يتولى عملاء البنوك تمويل عمليات الإنقاذ، بدلا من أن تتحملها الحكومات، ولكن في حين أن تأثيرات الأزمة في بلد صغير مثل قبرص يمكن احتواؤها، فإن ذلك قد يكون أصعب في دول أخرى. وأظهرت الأزمة كذلك أن الاتحاد الأوروبي ربما لم يعد مستعدا لتمويل عمليات الإنقاذ كما حدث في السابق، بل قد يطلب من البنوك وعملائها تحمل تكلفة التمويل.

ومما يزيد الأزمة الأوروبية سوءاً التوقعات شبه الرسمية ببطء عملية الانتعاش الاقتصادي، فوفقاً لتقرير أصدرته "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" الأسبوع الماضي، فإن ثمة بوادر ملموسة للانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة واليابان خلال عام 2013، ولكن بوادر الانتعاش محدودة في أوروبا، حيث ما زالت معدلات البطالة مرتفعة، حتى في تلك الدول التي تتمتع بمعدلات نمو مرتفعة. وتتوقع المنظمة أن دول أوروبا، باستثناء ألمانيا، ستنمو بمعدلات متواضعة أو تنكمش خلال عام 2013.

ماذا يعني ذلك للأسواق الخليجية؟ لا تظهر حتى الآن آثار مباشرة كبيرة للأزمة في قبرص على الأسواق والبنوك الخليجية، لأن الاقتصاد والنظام المصرفي القبرصي محدودان، مقارنة بالاقتصاد الخليجي، فلا يتجاوز حجم الاقتصاد القبرصي (25) مليار دولار، مقارنة بـ (1.5) تريليون دولار، أو ستين مرة حجم الاقتصاد القبرصي، ولذلك فإن أي أزمة محدودة بحدود قبرص ستكون ذات تأثير محدود في الخليج، حتى في حالة انكشاف بعض المحافظ على البنوك القبرصية. ولكن فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، فإن التأثير سيكون ملموساً.

فمن ناحية فإن أسهم عدد من البنوك الأوروبية قد انهارت، وهو ما سيؤثر على كثير من محافظ صناديق الاستثمار العالمية. وفي المدى المتوسط والمدى البعيد، لن نظل بعيدين عن آثار تلك الأزمة. ففي حال أسهمت أزمة قبرص في تعميق مشاكل منطقة اليورو بشكل عام، فإن تداعياتها على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ستكون ملموسة، فالاتحاد الأوروبي ما زال الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون، ولذلك فإن الضعف المتوقع في الاقتصاد الأوروبي خلال عام 2013، كما يؤكده تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سيكون له آثار سلبية على علاقات منطقة الخليج وتجارتها مع أوروبا، مما يتطلب البحث عن شراكات أخرى للفترة القادمة.

*نقلا عن صحيفة الوطن السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.