مجلس الشورى وبدل السكن

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:

أذكر أن أحد أصدقائي عين عضواً في مجلس الشورى, وذات مساء كنا نتحدث عن الوضع الاقتصادي للأعضاء, واستغربت أن نسبة كبيرة من أعضاء المجلس لم يكونوا ممتلكين منازل, أعتقد أن النسبة كانت وقتها في حدود 60 في المائة. يدل هذا على مجموعة من الأمور أهمها أن مشكلة الإسكان حقيقية ويواجهها المواطن في مختلف المستويات الاقتصادية والوظيفية.

أغلب الأعضاء يأتون من جهات وظيفية توفر الإسكان أو بدل السكن لموظفيها. ينطبق هذا على الجامعات والشركات والقطاعات العسكرية وبعض المؤسسات والشركات الكبيرة. هذا العنصر- رغم كونه جاذباً لأفضل الكفاءات- هو أكبر عدو لجهود الموظف في سبيل تكوين الذات, والعمل على الحصول على قطعة أرض والبناء عليها أو شراء منزل ولو كان بالتقسيط.

يستطيع أي منا أن يقارن الأستاذ الجامعي – مثلاً – بزميله الذي يعمل خارج الجامعة من ناحية تملك المسكن. أغلب من أعرف من أساتذة الجامعة لا يملكون منازل, ولعل أحداً يزودنا بإحصائية مقارنة من هذا النوع ليؤكد نظرية أثر توفير السكن للموظف على درجة اهتمامه بضمان أمن مستقبله ومستقبل أسرته في ناحية السكن.

يبدأ العقل الباطن في إيجاد المبررات لإبعاد الشخص عن مطاردة هذا الهدف, ما دام الأمن في المسكن قد تحقق – ولو مؤقتاً. أقابل الكثير ممن خدموا مددا تتجاوز 20 سنة, وما زالوا ينتظرون انفجار فقاعة العقار التي لا أظنها إلا متضخمة أكثر. هذه التضخم يزيد من حصانته ضد الانفجار أن أصحاب رؤوس الأموال ورجال المال والأعمال يضعون مدخراتهم في العقار, ولا يتنازل أي منهم عن ممتلكاته مهما كلف الأمر. بل إن الأغلبية بدأوا تجارتهم من العقار, وما زالوا يعودون إليه بين فترة وأخرى, وتسيطر عليهم فكرة "حطه في التراب " و"الأرض ما تاكل ولا تشرب", ويعززها نظام الرهن العقاري الجديد.

يحرص الآباء على توفير أفضل بيئة لأسرهم. وما دام السكن موفراً من قبل الدولة, فهناك أمور أخرى يحرص عليها الأب لأنها أكثر إلحاحاً- في نظره- من أهمها التعليم الراقي. يحتاج الأبناء في هذا العصر شديد التنافسية إلى اختيار أفضل المدارس وتكاليفها مرتفعة جداً, كما يحتاجون إلى المزيد من الدورات والتأهيل في الحاسب واللغات وتطوير المهارات, إضافة إلى دروس التقوية, وما إليها. ومن عايش هذه الهموم, يفهم ما أقول.

كما تسيطر على كبار موظفي الدولة دوامة محاولة التأقلم مع توقعات المجتمع من أمثالهم, الأمر الذي يسهم في حرمانهم الادخار. ترتفع تكاليف الحياة بسبب التحولات الغريبة التي يتبناها المجتمع سواء في الملابس أو الحفلات أو الإجازات. كل هذا بسبب البحث عن نمط حياة يحمي الشخص من فقدان الاحترام داخل المجتمع, وصدقوني أن هذا يكلف الكثير.

دخل في هذا الهم أغلب موظفي الدولة الذين يتوافر لهم الإسكان من قبل جهات عملهم. نعمة تحولت إلى نقمة – مع الأسف. لهذا تجد نمط الحياة لدى موظفي هذه الجهات أكثر إسرافاً وتعلقاً بالشكليات و"البرستيج" من الآخرين الذين يضطرون للدفع من رواتبهم تكاليف السكن التي تستمر في الارتفاع. هذا يستدعي أن تعيد هذه الجهات النظر في أسلوب تقديمها لخدمة الإسكان لمنسوبيها.

نمتدح دوماً أسلوب القطاع الخاص في التعامل مع مختلف القضايا. لكنها في هذا المجال تستحق الإعجاب والاقتداء. تقوم الشركات الحكومية الكبرى بتوفير السكن بأسلوب يحقق غرضين مهمين هما المردود الأفضل لاستثمار الشركة, وضمان أن يكون السكن ملكاً للمواطن.

أستغرب كيف يمكن أن تبقى القطاعات على أسلوبها القديم وهي ترى موظفيها يعانون الأمرَّين عندما يحالون إلى التقاعد, أو يضطرون لمغادرة الإسكان لأي سبب. صدمات كثيرة نراها جميعاً, ونتألم لرؤيتها. هذا يستدعي أن تقوم هذه الجهات بحل جذري يضمن توفير الإسكان وتمليكه للموظفين في نفس الوقت.

نحتاج هنا إلى خطة استراتيجية للإسكان تمنح هذين العنصرين حقهما من العناية. قد يكون أحد الأساليب هو تمليك الوحدات القائمة بمقابل مادي يحسم من راتب الموظف. كما يمكن أن تقدم الجهات القروض السكنية دون فوائد وتقوم بالحسم من استحقاقات الموظف الشهرية. هذه النظرية تحمي المال العام أيضاً, فالدولة تصرف مبالغ كبيرة على برامج التشغيل والصيانة للمرافق السكنية, مبالغ يمكن أن تحوَّل إلى بنود تمليك الإسكان.

ناقش مجلس الشورى في عدة دورات مقترحا قدمه عضو المجلس السابق المهندس محمد القويحص يقضي بتقديم بدل سكن لموظفي الدولة. هذا المقترح الذي يمكن اعتباره أحد العناصر التي تمكِّن الموظف من التملك, لم ينل الموافقة أو التعديل أو التطوير. بقي المجلس سلبياً لعدة دورات, لكن الغريب أن تخرج علينا وسائل الإعلام باقتراح لأحد الأعضاء يطالب بإلغاء هذا المشروع ما دامت عضوية صاحبه انتهت.

لا أدري إن كان نظام المجلس يلغي المشروع عند انتهاء عضوية مقدمه, فإن كان الأمر كذلك, أتمنى أن يتبنى أحد الأعضاء إعادة إدراج المشروع إلى مداولات المجلس. يمكن أن يبنى الطرح الجديد على الجمع بين مخصصات مشاريع الإسكان وبرامج التشغيل والصيانة ومخصصات وزارة الإسكان لتكوين منظومة راقية ومتكاملة تضمن توفير الإسكان لجميع موظفي الدولة, فإن لم يكن ذلك فليحصل الموظف على بدل يضمن له الحصول على إسكان يلائم وضعه الاجتماعي ويسهم في دفعه لتحقيق الأمن في مجال السكن.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.