مَن حرق 90 مليار ريال؟

سلمان الدوسري

نشر في: آخر تحديث:

في دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي، بعنوان: ''إصلاح دعم الطاقة''، تمت دراسة 28 تجربة عالمية خلال العقدين الماضيين، وخلصت الدراسة إلى أن هناك 12 تجربة نجحت في إلغاء الدعم الحكومي على الطاقة، ونجحت جزئياً 11 تجربة، في حين كان الفشل مصير خمس تجارب، والأسبوع الماضي قال الصندوق إن العالم يستطيع حل جزء من مشاكله في المالية العامة من خلال إلغاء الدعم الحكومي للطاقة والبالغ 1.9 تريليون دولار، وهو ما يشير إلى تصاعد مساعي الصندوق للضغط على الدول الداعمة برفع، أو تخفيف، دعمها المباشر للطاقة.

صحيح أن قرار إلغاء الدعم هو قرار اقتصادي سياسي بحت، وأن الصندوق يمكن له الضغط وفرض شروطه الصارمة على الدول التي تقترض منه، كما يفعل حالياً مع مصر، بينما هو لا يستطيع إجبار الدول الغنية على أي من تلك الشروط، إلا أن الأنماط الاستهلاكية المحلية للطاقة في الوقت الراهن، تشير إلى أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد الآخر، خاصة مع تسارع الاستهلاك من البترول والغاز بشكل كبير وبمعدل يبلغ نحو 4 إلى 5 في المائة سنوياً خلال العقدين القادمين، وهو ما يعني ارتفاعه من أربعة ملايين برميل مكافئ في اليوم حالياً، إلى ما يقارب ثمانية ملايين برميل مكافئ، أي أن الاستهلاك المحلي سيقضي يوماً ما، كما تشير معظم التقارير، على كل كميات التصدير من النفط، طبعا في حال بقاء حجم الإنتاج على مستوياته الحالية نفسها. هل نتخيل السعودية لا تصدر النفط؟!

وكما يبدو، فإن الحديث عن الدعم الذكي أصبح مملاً ولن يرى النور، فلم يبق أمام الحكومة إلا توجيه جهودها نحو رفع كفاءة استخدام الطاقة. حينما يكون استهلاكك مرتفعا ومخيفاً، فليس أمامك إلا رفع كفاءة استهلاك الطاقة في وسائل النقل والكهرباء ''90 في المائة من إجمالي استهلاك الطاقة المحلي يتمثل في قطاعات المباني والمواصلات والصناعة''، وإذا كان من الصعب، في المرحلة الحالية، إلزام المواطنين بترشيد استهلاكهم، فإن الحكومة تستطيع ذلك وسريعاً من باب تحسين كفاءة استهلاك مؤسسات الدولة، وما أكثرها، وما أكبر استهلاكها، كما فعل البرنامج السعودي لترشيد ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، عندما طوّر مبادرات خاصة بالمباني الحديثة بدءاً من الوحدات السكنية التي يتم تطويرها بتمويل حكومي، والتي يأتي من ضمنها نصف مليون وحدة تشرف على تنفيذها وزارة الإسكان، والوحدات السكنية في شركتي سابك وأرامكو، ولنتذكر هنا أن تلك المبادرات لا تزال تأتي تحت باب ''مذكرات التفاهم''، وكلنا يعي جيداً أن هذا المصطلح لا يلزم تلك الجهات أبداً.

تقول غلايدا لان التي تتولى إدارة الدائرة المستديرة لخبراء الطاقة في المعهد الملكي للشؤون الدولية ''تشاتم هاوس''، في تصريحات لصحيفة ''الشرق الأوسط''، إن السعودية تستطيع توفير ما يكافئ 238 مليون برميل نفط سنويا، وهو ما يعادل 90 مليار ريال سعودي، من خلال تنفيذ برنامج ترشيد ورفع كفاءة استهلاك الطاقة. مَن يصدق أن عشرات المليارات تحترق في الهواء عاماً بعد آخر، فقط لأننا نحتاج إلى المزيد من الوقت لاستيعاب خطورة ما وصلنا إليه.

لا أدري إن كنا نبالغ في وصف مرحلة الخطر التي نسير إليها بأقدامنا. التقارير تحذر، وصندوق النقد يطالب الدول بأن تكون ''عنيفة'' في إجراءاتها، بينما نحن نتناسى أننا نملك رصيداً يمكن وصفه بالأسوأ في مؤشر كثافة استهلاك الطاقة، ومع هذا لا نزال نتعامل بتراخٍ وبرودٍ في قضية خطيرة تتعلق بمصدر دخلنا الوحيد، في حين يتم توجيه الاهتمام لقضايا أقل خطورة بكثير.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.