لماذا يختار العرب الغرب لتكديس أموالهم؟

ليون برخو

نشر في: آخر تحديث:

شيئان يثيران الإعلام والصحافة في الغرب عند تغطيتهما لشؤون الشرق الأوسط. الإثارة بالمفهوم السلبي من خلال خطاب يجعل القارئ يتصور أن الذين يخصهم الخبر أو القصة بعيدون عن ناصية المدنية والحضارة ولم يستوعبوا لعبة الأمم ودور الإعلام في صنع القناعات لدى الناس ـــ القناعات التي ما إن استقرت حتى صار من الصعوبة تغييرها.

الشيء الأول، الذي هو مدار نقاشنا لجمعتنا المباركة هذه يتعلق بالطريقة التي يكدّس ـــ يستثمر ــــ العرب بها أموالهم في الدول الغربية. ليس لدي أرقام موثقة عن حجم هذه الأموال إلا أننا إن أخذنا كل أنواع الاستثمارات ــــ نقد، أسهم، عقار، سندات، مشاريع، أسواق، ملاعب، سندات خزانة، وصناديق سيادة وغيرها ــــ لا بد أن نكون أمام أرقام خيالية.

الشيء الثاني يخص الفتاوى الدينية وأقوال وتصريحات بعض الدعاة والشيوخ من المسلمين في الشرق الأوسط، التي رغم محليتها وضيق نطاقها في بعض الأحيان تنتشر مثل النار في الهشيم وكل هذا بفضل موقع إسرائيلي اسمه ''ميمري'' ــــ معهد الشرق الأوسط للدراسات الإعلامية. هذا المعهد مقره واشنطن وأغلب العاملين فيه إسرائيليون ولكن غايته الأساسية ترجمة نصوص محددة من العربية والفارسية عن شؤون إسلامية أو عربية إلى الإنجليزية. هذا المعهد وحده يوازي في تأثيره في الغرب كل ما لدى العرب من إعلام ومتعلقاته ــــ وزارات، وملحقين ثقافيين، وقنوات وجرائد ومواقع وغيرها. وسنترك شأنه إلى رسالة قادمة.

كيفية التصرف في المال تعد اليوم من المسائل الأساسية في الاقتصاد، التي بالطبع لها تبعات سياسية واجتماعية أيضا. نحن هنا لسنا في خضم المقارنة والمقاربة بين طريقة جمع وصرف المال في الدول العربية من جهة والسويد من جهة أخرى مثلا لأن أي مقارنة مثل هذه ستظهر للعيان أن هناك بونا شاسعا بين الاثنين. في الحالة الأولى (العربية) من الصعب الفصل بين الخاص والعام لغياب الشفافية. في الحال الثانية (السويدية) من السهولة الفصل ليس فقط بين الخاص والعام، بل بين كل حلقات جمع المال وطريقة صرفه وذلك لتطبيق أرقى معايير للشفافية يعرفها عالم اليوم.

طريقة تكديس المال وصرفه في الغرب من قبل بعض الدول العربية وبعض الأغنياء العرب (أو ربما الكثير منهم) انعكس ولا يزال سلبا على العرب كهوية وحضارة ودين. خَلَق هذا المال ـــ الذي لا يعلم إلا الله حجمه ـــــ نظرة ترى فيها العرب بصورة عامة وكأنهم يطوفون على الذهب والعملة الصعبة وبعد أن فاضت خزائنهم بها وشبعت شعوبهم من خيراتها حتى الثمالة لم يكن لهم بد إلا تكديسها في الغرب.

أي أن العرب أصحاب غنى ومال فاحش لا يعرفون كيف يتصرفون فيه، حيث فاضت خزائنهم وهم في طريقهم لشراء الغرب. ورغم أن مسألة الغنى الفاحش خرافة لأن أغلب العرب فقراء معدمون، صنعت طريقة تكديس الأموال في الغرب والطريقة التي يتطرق لها الإعلام نظرة مفادها أن العرب من الغنى، حيث ينفقون في الغرب ليس بسخاء فقط بل بلا وعي.

أغلب النظرة السلبية للعرب في الغرب كان سببها المال وطريقة تكديسه وصرفه في الدول الغربية. وهذا المال أثّر سلبا في مكانة الإسلام كدين، حيث يربط اليوم أغلب الغربيين الإسلام بالدول العربية الغنية وحكامها والأغنياء العرب وطريقة تصرفهم وسلوكهم في الغرب.

لن أقول ماذا كانت هذه الأموال ستُحدث من تنمية وتطور في البنى التحتية في الخدمات العامة والصناعة والزراعة والصحة والتعليم لو أنفقت محليا ووطنيا وعربيا وإسلاميا، ولكن لا أعلم إن كان أصحاب هذه الأموال دولا وأفرادا يعلمون أن أموالهم المكدسة في الغرب وبأي شكل كانت هي مشروع حجز لا بل سرقة في أي لحظة حرجة.

قبرص هي أفضل مثال. عندما اشتدت الأزمة صارت الأموال التي كدسها هناك الأغنياء الروس على قائمة الحجز والمصادرة ولم ينفع تدخل دولة عظمى مثل روسيا لإنقاذ أموالها وأموال مواطنيها.

وهناك دول كثيرة مرشحة أن تحذو حذو قبرص. فهل اتخذ العرب أي احتياطات تذكر؟

*نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.