حقوق الدولة.. ومطالب أصحاب العمل

أمين ساعاتي

أمين ساعاتي

نشر في: آخر تحديث:

أستطيع أن ألخص المشكلة بين وزارة العمل وأصحاب العمل في أن الوزارة تطالب الجميع باحترام وتطبيق النظام، بينما أصحاب العمل يجهدون من أجل مخالفة النظام. هذه هي المشكلة باختصار، التي بدأت بحملة ناجحة شنتها وزارة الداخلية بالتعاون مع وزارة العمل للقبض على مخالفي نظام الإقامة والعمل.

والحملة وضعت أمامنا مفاجأة لم تخطر على بال، وهي أن نحو 80 في المائة من العمالة الأجنبية (الدنيا) تمارس أعمالها بمخالفات صارخة للأنظمة متجاهلة التعليمات التي صدرت بمراسيم ملكية والتي تهدف إلى صون الحقوق للجميع والحفاظ على مكتسبات التنمية الوطنية.

إن الحملة كشفت أن الكثير من العمالة هي عمالة فائضة تتخذ من الشوارع والميادين مكاناً دائماً لها، وحينما بدأت الحملة فرغت الشوارع والميادين من البطالة الأجنبية التي كانت تشغل الشوارع والميادين وتنساب وتسوح في كل مكان من المدن الكبيرة.

وحينما بدأ وزير العمل المهندس عادل فقيه حملته الناجحة ضد المخالفين لأنظمة العمل والإقامة كتبت مقالات عدة أطالب فيها أصحاب العمل بدعم الإصلاحات التي طرحها الوزير، لكن – مع الأسف - فإن الكثير من المنتفعين شنوا هجوماً ظالماً ضد الوزير.

وعبثاً حاول الوزير أن يقنع أصحاب العمل بأهمية تطبيق الأنظمة من أجل حماية الوطن وصون مكتسباته الأمنية والاقتصادية إلاّ أن المنتفعين من المخالفات ظلوا يصمون آذانهم ويتوعدون بإيقاف كل الإصلاحات التي أقرتها الوزارة والإبقاء على التشوهات التي تعانيها سوق العمل السعودية.

لقد كتبنا كثيراً نشكو من ضعف الرقابة الإدارية والمالية في مؤسسات الدولة وشكونا كثيراً من التسيب الإداري والمالي، لكن لا حياة لمن تنادي، والآن هذه القضية تضع أجهزة الرقابة في موقف لا يحسد عليه، أين أجهزة الرقابة من تطبيق أنظمة الإقامة والعمل؟ ولماذا الكثير من الشركات الكبرى تستمرئ مخالفة الأنظمة وتوظيف العمالة غير النظامية؟ ولماذا لم تصل الرقابة إلى هذه المخالفات في الشركات الكبرى وتطالب بتطبيق العقوبات والجزاءات؟!

إن ملايين العمال يعملون تحت الشمس وفي وضح النهار وهم مخالفون لأنظمة الإقامة والعمل، ومع ذلك لا تراهم أجهزة الرقابة ولا تسمع عنهم، وكأن الأمر لا يعنيها رغم أنه من صميم اختصاصاتها!

هذا – مع الأسف - هو وضع الرقابة الإدارية والمالية في المؤسسات الحكومية!

لقد كان وزير العمل المهندس عادل فقيه يصرخ وحده، وكأنه يصرخ في الصحراء الجرداء ويناشد أصحاب العمل بضرورة احترام الأنظمة والاستظلال بها لحماية المكتسبات التنموية ودعماً لأمن الوطن والمواطن، وحرصاً على شباب الوطن.

لكن الكارثة أن وزير العمل وهو يدعو إلى هذه الفضيلة والحقوق جوبه بحملات وانتقادات حادة ولاذعة من قبل أصحاب العمل، حتى من بعض الإعلاميين.

ونستطيع القول إن الحملة التي قامت بها وزارة الداخلية بالتعاون مع وزارة العمل نجحت نجاحاً مبهراً، وأكدت أهمية العمل من أجل تصحيح أوضاع العمال الأجانب، لأن تصحيح أوضاع العمال الأجانب.. يعني تصحيح الكثير من الأخطاء التي تعانيها سوق العمل السعودية.

المفترض في دولة ينتشر فيها التراحم كالمملكة العربية السعودية ألا تتعارض مصلحة المواطن مع المصالح العليا للوطن، فإذا كان تصحيح الأوضاع للعمالة الأجنبية هو ضمن المصالح العليا للوطن، فإن على المواطن السعودي أن يعتبر التصحيح يحقق مصالحه الشخصية وينشر الاستقرار في محيطه، لأن تطبيق النظام لن يكون ــ بأي حال من الأحوال ــ لمصلحة الدولة وضد المواطن!

لقد منح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز فرصة ثلاثة أشهر لتصحيح أوضاع العمال، وقدر جلالته ظروف العمال، كما راعى ظروف أصحاب العمل، ومطلوب الآن من العمال وأصحاب العمل اغتنام هذه الفرصة الثمينة لتصحيح الأوضاع واحترام أنظمة الوطن.

إن سوق العمل ظلت لأكثر من نصف قرن وهي تعاني الاختراقات والمخالفات التي غيبت عنه أهم المعلومات الشفافة، وأتوقع أن تسفر هذه الحملة عن نتائج إيجابية كثيرة، وأن تكون هذه الحملة طريقاً لإزالة التشوهات عن سوق العمل السعودية التي ظلت تعانيها ردحاً طويلاً من الزمن.

إن مخالفة القوانين وفي وضح النهار سيغيب الكثير من البيانات والمعلومات عن سوق العمل، وبالتالي فإن معالجة أوضاع العمال من خلال معلومات مضللة سيبعد سوق العمل عن معالجة أوضاع البطالة، والأخطر من ذلك أن المخالفات القانونية لنظام الإقامة والعمل غيب المعلومات عن المؤسسات الأمنية التي تعرضت لشيء من الارتباك إزاء الحملات المسعورة التي شنتها بعض العصابات ضد الأهالي والمحال في بعض المدن الكبيرة.

إذن موضوع تصحيح أوضاع العمالة الأجنبية ليس موضوعاً بسيطاً، بل هو موضوع له صلة مباشرة بأمن الوطن، وله صلة مباشرة باقتصاد الوطن، لذلك فإن أقل ما يجب أن تقوم به الدولة هو تطبيق القوانين، وأكثر ما يجب أن يقدمه المواطن لحكومته هو أن يعمل بجد وإخلاص على احترام الأنظمة وتطبيقها بالحذافير.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.