هل الذروة في الطلب العالمي على النفط وشيكة؟

نعمت أبو الصوف

نشر في: آخر تحديث:

هناك مثل دارج يقول ''خالف تُعرف''؛ لذلك نجد أن توقعات العرض والطلب على الطاقة التي تخالف وتناقض المفهوم السائد أو التوافق عادة ما تتصدر عناوين الصحف والأخبار. في هذا الجانب تصدر تقرير نشر أخيرا عن مصرف سيتي جروب (Citi Group) بعنوان ''النهاية وشيكة'' عناوين الصحف والأخبار، حيث تتوقع سيتي جروب في تقريرها ذروة وشيكة في الطلب العالمي على النفط، مدعومة بتحسن معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود واستبدال النفط بوقود أرخص مثل الغاز الطبيعي.

هذا التقرير يتحدى التوافق في الآراء السائد حاليا بأن الطلب العالمي على النفط سيستمر في النمو لمدة لا تقل عن 20 عاما على أقل تقدير. لكن حتى عندما تكون حجج هذا النوع من التقارير معقولة إلى حد ما، إلا أن توقيتاتها غالبا ما تكون غير مناسبة. لقد كان مصرف دويتشه بنك (Deutsche Bank) أول من قال إن ''النهاية قريبة أو وشيكة'' في عام 2009، حين توقع أن تصل طاقات العرض والطلب على النفط إلى ذروتها في عام 2016، لكن من الواضح الآن أن هذا لن يحدث.

إن التوافق في الآراء، كما وصفتها تقارير منظمة أوبك، وكالة الطاقة الدولية، شركة إكسون موبيل وشركة البترول البريطانية في رؤيتهم لتوقعات الطاقة على المدى الطويل، يشير إلى أن الطلب العالمي على النفط سيستمر في النمو بمعدل و1 في المائة سنويا حتى عام 2020 على الأقل إذا ما استمرت السياسات الحالية. يتفق الجميع على أن الدوافع الرئيسة وراء ارتفاع الطلب العالمي على النفط هي النمو السكاني والاقتصادي في الاقتصادات النامية، هذا النمو سيعوَّض جزئيا بتحسن كفاءة الطاقة وإحلال أنواع الوقود الأخرى محل النفط.

لقد بدأ تقرير مصرف سيتي جروب على مقربة من التوافق في الآراء بشأن الطلب على النفط، حيث أشار إلى أن الطلب العالمي على النفط حسب سيناريو بقاء الأمور على حالها أو المرجعي (business-as-usual) سينمو بمعدل 1.2 في المائة سنويا حتى عام 2020، على افتراض أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سينمو بمعدل 3.5 في المائة سنويا؛ ما يعني أن التقرير افترض نسبة 0.3 في المائة بين معدل نمو الطلب على النفط ونمو الناتج المحلي الإجمالي، هي مقاربة تقريبا لمعدل السنوات الخمس الماضية، لكنها نصف النسبة التي كانت عليها في الفترة من عام 2000 إلى عام 2005.

لكن بعد ذلك يقول التقرير إن معظم النمو المتوقع في الطلب العالمي على النفط حسب سيناريو بقاء الأمور على حالها (business-as-usual) يمكن أن يعوض عن طريق إحداث تحسينات في كفاءة وقود المركبات ومن خلال إحلال الغاز الطبيعي محل النفط. هذه الإجراءات على حد قول التقرير ستؤدي إلى ذروة في الطلب العالمي على النفط بحلول عام 2020، حيث يشير إلى أن الطلب العالمي على النفط سوف لن يتجاوز 91 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2020، أي بزيادة طفيفة جدا عما هو عليه اليوم.

في هذا الجانب، يشير التقرير إلى أن تحسين معايير الاقتصاد في استهلاك وقود المركبات الخفيفة بنسبة 2.5 في المائة سنويا للسيارات والشاحنات الجديدة، على افتراض أن معدل عمر أسطول المركبات هو 20 عاما، سيخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 3.8 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2020 مقارنة بسيناريو بقاء الأمور على حالها.

يوضح التقرير في هذا الصدد أن كفاءة استهلاك الوقود في المركبات الخفيفة، وبصورة رئيسة السيارات، قد تحسنت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حيث وضعت حكومات الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أهداف طموحة لخفض الطلب على النفط. في هذا الجانب، تتوقع سيتي جروب أيضا أن تعتمد حكومات الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادي معايير مماثلة، مثل الصين، التي من المتوقع أن تسهم كثيرا في النمو المستقبلي في أسطول المركبات.

إضافة إلى ذلك، ترى سيتي جروب وجود فرص متنامية لإحلال مزيد من الغاز الطبيعي محل النفط في قطاع النقل، توليد الطاقة الكهربائية، الصناعة وفي قطاع البتروكيماويات، حيث يشير تقريرها إلى أن هذا الإجراء قد يخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 3.5 مليون برميل في اليوم إضافية بحلول عام 2020.

لكن من الممكن أن تكون سيتي جروب قد بالغت في الحديث عن التأثير المحتمل لتحسين معايير كفاءة وقود المركبات واستبدال النفط بالغاز الطبيعي على نمو الطلب العالمي على النفط. ذلك أن التوقعات التي تتوافق في الآراء قد أخذت بنظر الاعتبار هذه العوامل أيضا ضمن سيناريوهات بقاء الأمور على حالها. على سبيل المثال، تشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى أن تحسين معايير كفاءة وقود المركبات قد اعٌتمدت بالفعل أو تم التخطيط لاعتمادها في المركبات الخفيفة في كل من الولايات المتحدة، اليابان، الاتحاد الأوروبي، الصين والهند، من شأن هذا الإجراء أن يوفر نحو 17 مليار برميل من النفط بين عامي 2010 و2035. وأشارت توقعاتها أيضا إلى احتمالية استقرار أو انخفاض استهلاك النفط في قطاعات أخرى غير قطاع النقل، نتيجة استبداله بالغاز الطبيعي، الكهرباء أو الفحم.

علاوة على ذلك، بعض الوفورات في استهلاك النفط التي حددتها سيتي جروب في تقريرها قد يكون من الصعب تحقيقها ضمن الفترة الزمنية المحددة، أي بحلول عام 2020. حيث إن الكفاءة العامة لاستهلاك الوقود في أسطول المركبات عادة ما تتغير ببطء؛ لأنه يستغرق وقتا طويلا لتبديل أسطول النقل بأكمله، حيث إن الأهداف الموضوعة من قبل الحكومات لتحسين معايير استهلاك وقود النقل يؤثر بصورة رئيسة في المركبات الجديدة فقط. كما أن حكومات الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لن تحذو بالكامل بعد حذو الاقتصادات الصناعية في هذا الجانب.

على سبيل المثال، في الدول الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تحسنت معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للمركبات الخفيفة الجديدة في المتوسط بنسبة 2.4 في المائة سنويا بين عامي 2005 و2011. في حين أن معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للمركبات الخفيفة الجديدة في الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قد تحسنت بنسبة 0.1 في المائة سنويا فقط في الفترة نفسها. ارتفع معدل الاقتصاد في استهلاك الوقود عالميا بنحو 1.8 في المائة سنويا بين عامي 2005 و2011.

إن الذروة في الطلب على النفط، مثل الذروة في الإمدادات، من الناحية النظرية أمر لا مفر منه؛ لأن النفط هو مصدر محدود. لكن التنبؤ متى وكيف ستحدث هذه الذروة أمر محكوم عليه بالفشل الدائم؛ ذلك لأن التكنولوجيا، الاقتصاد وسياسات الحكومات مستمرة في تغيير قواعد اللعبة. مثل متسلقي الجبال الذين يعتقدون أن أعلى نقطة يمكن أن يروها هي قمة الجبل، كذلك هي ذروة النفط ستبقى قمة كاذبة لسنوات عديدة قادمة.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.