شكرا هيئة الاتصالات

علي الجحلي

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:

لم أجد في أي موقع إخباري أو تحليلي ما يشفي غليل بحثي، أو يجيب عن تساؤلاتي بخصوص قرار هيئة الاتصالات إلغاء مجانية التجوال الدولي. ليس هناك ما يدل على أن الهيئة ستحقق أرباحا أو إيرادات ـــ مثلاً، تدفعها للتصرف بهذه الطريقة التي تناقض كل ما يمكن أن يتوقعه أي مواطن من هيئة وطنية حكومية أنشئت لحماية مصالحه والمحافظة عليها من الاستغلال من قبل الشركات المحلية والعالمية.

الغريب أن الذي يدافع عن حقوق المواطنين هي شركات الاتصالات ضد هيئة الاتصالات التي يفترض أنها تنفذ سياسة الدولة في مجال التشريع والإلزام برفع مستوى الخدمة وتقديمها بأفضل جودة وسعر. ألا تلاحظون معي أن المعادلة معكوسة؟

سبق أن كتبت عن أسلوب الهيئة في اتخاذ القرارات من ''برج عاجي''، وقناعتها أن الكل يقعون تحت مستوى أن تشرح لهم أو تقنعهم بتوجهاتها وقراراتها. بل إن الهيئة كانت تقع تحت طائلة النقد لدأبها على حماية الشركات على حساب المواطن. يبدو أن الهيئة مستمرة في توجهها المبني على الضغط على المواطن وتحقيق أرباح أكثر لشركات الاتصالات. حيث ذكر أحد المحللين أن هدف الهيئة هو دفع الشركات لتطوير خدماتها من خلال الحصول على رسوم مقابل خدمة التجوال الدولي. يا له من تفكير عبقري! فمن خلال الحصول على إيرادات أكبر ستعمل الشركات على تحسين الخدمة، وماذا يدفعها لعمل ذلك؟ سؤالي هنا.

أذكِّر الهيئة الموقرة بأن كل القوانين والأنظمة الصارمة التي صدرت في مجال الاتصالات لم تحقق أي نتيجة. حصل المواطنون على الفوائد عندما تم تحرير السوق، وسمح لشركات أخرى بتقديم الخدمة، وهو ما خفض الأسعار بشكل كبير ورفع مستوى الخدمة مقارنة بأيام الشركة الواحدة التي '' تنذكر ولا تنعاد''. هل هذا الكلام غريب على المسؤولين في الهيئة؟ لا أعتقد ذلك، فطالب السنة الأولى في تخصص الاقتصاد أو الإدارة يعرف أن قوى السوق هي المؤثر الذي يرى المستهلك نتائجه فوراً. العرض والطلب والمنافسة والشفافية والمحاسبة، هي القوى التي تستطيع أن تقلب موازين أي قطاع اقتصادي، وخصوصاً قطاع الخدمات.

يمكن أن أقول بعد هذا كله إن هدف الهيئة بزيادة إيرادات ''شركة'' اتصالات أو أكثر من العاملين في القطاع، تحولت إلى العكس تماماً. هذا لأن المبتعثين والأجانب الذين يستخدمون شرائح سعودية، بدؤوا في البحث عن بدائل أخرى لخدمة التجوال الدولي. هذا في عصر يعج بالبدائل التقنية مثل سكايب، وفايبر والواتس أب، ولا نعلم ماذا يمكن أن يظهر غداً أو بعد غد. بل إن كثيرا منهم قد يستبدلون خدمات شركات المملكة بشركات أخرى، وبهذا تخسر الشركات عملاء تحقق إيرادات جيدة من تعاملاتهم. هذا كله يوضح سبب اعتراض الشركات على القرار. وبهذا ينقلب السحر على الساحر.

يصر مجلس الشورى على مطالبة الهيئة بالإجابة عن تساؤلاته بخصوص هذا القرار، والمجلس محق في مطالبته للهيئة، بل إن قراراً مثل هذا يفترض أن يصدر عن المجلس، إذا اعتبرناه جسداً تشريعياً ولو في مجال الخدمات على الأقل. إن طرح فكرة الإبقاء على مجانية الخدمة للمواطنين بضوابط مناسبة، يعتبر بديلاً منطقياً إذا كان هدف الهيئة هو حماية المواطن، وضمان الخدمة المتفوقة له. أعتقد أن المجلس سيفقد كثيرا من سمعته التي ليست ''براقة'' حالياً إن خسر معركة تشريع مجانية الاتصال الدولي مع الهيئة.

يحضرني وأنا أكتب ما قاله أحد المحللين أثناء لقاء تلفزيوني عن إسكان المواطنين والخلافات التي ظهرت حول مشاريع الإسكان والرهن العقاري والربط بين مختلف الجهات ذات العلاقة بقضية الإسكان. قال المحلل حينها ''هل أنتم أكثر حرصاً على المال العام من خادم الحرمين الشريفين؟''، الواقع يقول لا بالطبع، بل إن حرص خادم الحرمين الشريفين على المواطنين ومطالبته بتقديم أفضل الخدمات لهم لم يتوقف، بل إن كثيرا من الجهات لم تستطع أن تترجمه بالسرعة والجودة التي يريدها ـــ حفظه الله.

أظن أن المحلل فاته أن كثيرا من المسؤولين يعملون من خلال الضغط على المواطن للحصول على ميزة ذاتية. فهم يعتقدون ـــ مخطئين ـــ أنهم إن ضغطوا على المواطن، فسيتكون لدى المسؤول الانطباع بأنهم حرصاء جدا على المال العام، وبذلك يرسِّخون أقدامهم في المنصب ويظلون فيه سنين طوالا حتى يمل المواطن من رؤية صورهم وهي تسيطر على نشرات الأخبار والصحف، رغم إثارتهم للجدل في مواقع أخرى ـــ على الأقل. ولكنني ـــ بالتأكيد ـــ لا أشكك في وطنيتهم وكفاءتهم رغم استخدام مثل تلك الوسائل للبقاء طول هذه السنين.

قلت هذا كله بعد أن استقبلت رسالة نصية من الشركة التي تقدم خدمة الجوال ـــ لحضرتنا. تقول فيها إنه سيتم تنفيذ قرار الهيئة اعتباراً من يوم الجمعة القادم، لكن الشركة وعدتني بتقديم عروض خاصة على التجوال الدولي بعد ذلك التاريخ. وقررت أن أقدم الشكر للهيئة الموقرة نيابة عن شركات الاتصالات الأجنبية ووسائل التواصل التي سيتحول إليها أغلبية ـــ إن لم يكن كل المبتعثين والمرضى والسياح، وأرجو ألا تصيب الهيئة دعوة من دعوات أولئك الذين لهم دعوة مستجابة والثلاثة المذكورين منهم. يبقى الأمل معلقاً بالله ـــ سبحانه ـــ ثم بالسادة أعضاء مجلس الشورى في الأيام المقبلة.

*نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.