أرض وقرض

سعود بن هاشم جليدان

سعود بن هاشم جليدان

نشر في: آخر تحديث:

أدخلت أوامر خادم الحرمين الشريفين ـــ حفظه الله ـــ بمنح قطع أراض مطورة وقروض لبناء مساكن عليها للمواطنين البهجة على صدور كثير من الناس الذين فقدوا الأمل في تملك مساكن. فأسعار الأراضي أضحت خرافية لنسبة كبيرة من الشرائح السكانية، منخفضة ومتوسطة الدخل والثروة، كما ارتفعت تكاليف البناء بقوة خلال الأعوام القليلة الماضية بسبب ارتفاع أسعار مواد الإنشاءات وتكاليف العمالة. من جهةٍ أخرى، ارتفعت تكاليف المعيشة، خصوصاً لمن يعانون الفقر العقاري، واستنزفت دخول الشرائح السكانية منخفضة ومتوسطة الدخل وخفضت مستويات ادخارها بقوة. وحرمت هذه التطورات كثيرا من العائلات متوسطة ومتدنية الدخل والثروة من فرص تملك مساكن خلال الأعمار المتوقعة لمعيليها. وازداد الفقر العقاري خلال الأعوام الأخيرة بسبب ارتفاع تكاليف المساكن بمعدلات تفوق ارتفاع الدخول.

ويبدو أنه تم خفض التركيز عن فكرة قيام وزارة الإسكان ببناء مساكن للمواطنين المستحقين، وتم بدل ذلك منح الفرصة لهم بإنشاء مساكنهم وفق أذواقهم ورغباتهم الخاصة. وجربت المملكة من قبل سياستي إنشاء مساكن من قبل الدولة، ومنح قطع أراض مطورة وقروض للبناء عليها. وطبقت سياسة إنشاء مساكن من قبل مؤسسات الدولة وتم بناء مشاريع إسكان في مختلف مدن المملكة ووزعت بعد ذلك بسنوات عدة. وكانت الوحدات السكنية جيدة في معظم مشاريع الإسكان، لكن الخيارات المتوافرة في تلك المساكن كانت محدودة ولم تناسب أذواق كثير من الناس، كما كانت تكاليف إنشائها مرتفعةً مقارنةً بتكاليف البناء الشخصي. وطُبقت سياسة أرض وقرض قبل سنوات عدة في قلب المملكة النابض الرياض (حي الجزيرة).

ونجحت هذه السياسة في بناء حي مناسب وجيد لمتوسطي الدخل تتوافر فيه مختلف الخدمات الأساسية، خصوصاً التعليمية. ويحظى هذا الحي برضا ساكنيه، لكن آلية منح قطع الأراضي والقروض في هذا الحي كانت تقليدية، حيث منحت لبعض المتقدمين لصندوق التنمية العقارية الذين كانوا يملكون قطع أراض.

وأعتقد أن هذه الطريقة التقليدية اتصفت بانخفاض عدالتها، حيث منحت قروض وقطع أراض مطورة بأسعار زهيدة لمن في حيازتهم قطع أراض. وكان الأكثر عدالةً منحهم قروضاً لبناء مساكن على قطع الأراضي التي تقدموا للحصول على قروض لبنائها، ومنح الأراضي المطورة لعائلات أكثر استحقاقا وليس لديها قطع أراض. وعلى كل حال، فإن هذه التجربة كانت جيدة لمن استفادوا منها، ووفرت خبرة في تطبيق هذه الطريقة وأثبتت نجاحها في تطوير مساكن معقولة للمواطنين. ونجاح هذه السياسة ولو على نطاق ضيق أثبت أن تخطيط وتطوير الأراضي السكنية من قبل جهة حكومية لا تسعى للربح أفضل من تخطيط وتطوير كثير من هوامير العقار للأراضي السكنية. فالهوامير يتلاعبون بأنظمة تطوير المناطق السكنية، بما في ذلك تغيير أبعاد قطع الأراضي واستخداماتها بعد إقرارها، ويحولون معظم المساحات المخصصة للخدمات إلى قطع سكنية أو تجارية، ويملأون الأحياء السكنية بالأنشطة التجارية الرتيبة والمتكررة.

ومنح أراض وقروض للمواطنين يمنحهم حرية أكبر في تصميم منازلهم وفق أذواقهم ومتطلباتهم، كما يمنحهم فرصة للإشراف على بنائها وتصميمها وفق الآليات التي يرونها مناسبة لهم؛ ما يرفع من رضاهم عن مساكنهم ويعظم من رفاهيتهم. كما تخفف هذه السياسة من العبء والمسؤولية عن كاهل وزارة الإسكان والجهات الحكومية الأخرى، ما يمكنها من التفرغ لأداء واجباتها الأخرى. وستسهم هذه السياسة في زيادة الوحدات السكنية المنشأة وخفض تكاليف المساكن، حيث يحرص المنشئون الأفراد على تعظيم دخولهم من خلال إضافة بعض الوحدات السكنية، كما يحرصون على خفض تكاليف الإنشاء بدرجة أكبر من المؤسسات العامة. كما يستطيع الأفراد التفرغ بدرجة أكبر ومراقبة عمليات إنشاء منازلهم، ما يضمن مستويات جودة أفضل في أداء الأعمال.

وإعطاء الأكثر استحقاقا قطع أراض في المناطق التي ستطورها وزارة الإسكان وقروضاً لبناء مساكن عليها يحمل الممنوحين مسؤوليات بناء هذه المساكن. ونظراً لقلة خبرة كثير من هؤلاء فسيتعرض كثير منهم لغش مقاولي وعمالة الإنشاءات وتدليسهم. وهذا يتطلب من وزارة الإسكان التدخل للحد من تعرض المواطنين للابتزاز أو بناء مساكن منخفضة المواصفات. ويمكن لوزارة الإسكان أن تبدأ بتنظيم سوق بناء المساكن، خصوصاً في الأحياء التي ستخصص للإسكان، وذلك من خلال وضع تصنيفات لمقاولي وعمالة بناء المساكن، وإرغامهم على التسجيل بصورة رسمية مع الوزارة بعد الوفاء بمتطلبات معينة تضمن إلى حد كبير توفر قدرة وخبرة في بناء المساكن، وعدم تلاعبهم في مهام تنفيذ المساكن أو المواد المستخدمة. كما يمكن للوزارة تزويد الممنوحين قطع أراض بأهم المعلومات المطلوبة لبناء المساكن، وتزويدهم أيضاً بنماذج عقود عامة لمختلف مراحل بناء المساكن.

ويمكن للوزارة أن تضع معايير جودة معينة لمختلف مراحل ومواد البناء. كما يمكن أن تساعد الممنوحين (قطع أراض متساوية المساحة والأبعاد) على خفض تكاليف المساكن من خلال توفير مخططات جاهزة عدة للمباني وبأسعار مخفضة. وحبذا لو احتوت تلك المخططات على تقديرات لكميات المواد المحتاجة في البناء ومواصفات المواد، وخيارات عن وأنواعها وتكاليفها التقريبية. كما يستطيع مهندسو إنشاءات وزارة الإسكان تزويد الممنوحين بمعلومات كثيرة عن سبيل الحد من تكاليف الإنشاءات. ويمكن للوزارة أن تشجع بعض مطوري العقار المخلصين والراغبين في مساعدة المواطنين والحصول على ربح معقول ببناء المساكن في هذه المخططات. إن تحميل مسؤولية بناء المساكن للمستفيدين من القروض لا تعني تخلي وزارة الإسكان عن واجباتها في إنشاء المساكن، إنما ستساعدها على تخصيص مزيد من مواردها لأداء التزاماتها الأخرى تجاه قطاع الإسكان، المتمثلة في الإشراف على قطاع الإسكان ورفع نوعية ومواصفات المساكن وضمان عدالة توزيعها.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.