دول الخليج العربي والحاجة لعمالة مستقرة

سعيد الفرحة الغامدي

نشر في: آخر تحديث:

يشكل توطين الوظائف هاجساً كبيراً لدول مجلس التعاون الخليجي ويتطلب الوضع تضافر الجهود للوصول لحلول تحقق آمال المواطن وترفع من مستوى الأداء والإنتاجية على كل المستويات.
الاكتفاء الذاتي من العمالة المحلية مطلب وطني لا جدال فيه ولكنه صعب المنال في المرحلة الراهنة.. ليس بسبب عدم وجود بشر ينتظرون التوظيف ولكن لطبيعة بعض التخصصات والمهن التي لم يتكيف المواطن معها بعد.. في ظل طفرات اقتصادية وتنموية متلاحقة خلال العقود الماضية .. رفعت مستوى التطلعات المعيشية لدى المواطنين واستنزفت نسباً عالية من الدخل العام الذي يعتمد على العوائد البترولية بنسبة تفوق التسعين في المائة حسب المصادر الرسمية.
كما إن خيار تقليص معدلات الاعتماد على العمالة الوافدة أمر لا مفر منه ,وينبغي العمل على إيجاد حلول متوازنة تحافظ على مستوى الإنتاجية واستمرارية النمو الاقتصادي والصناعي وتعمل بجدية على توطين الوظائف وهذا المطلب بالإمكان تحقيقه في معظم التخصصات ماعدا الوظائف الخدمية مثل النظافة وحراسة المرافق والمجمعات السكنية والحرفية مثل: الحدادة والسباكة والإنشاءات وغيرها .. ولذلك لابد من البحث عن مصادر مستقرة.
ومقارنة بتجارب مناطق أخرى من العالم نجد:
- الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على عمالة من الدول اللاتينية والكاريبينية( latten American and Caribbean sataes) في النظافة والزراعة والفنادق وغيرها من الخدمات، وتسهل تواجدهم بدون تجنيس مع جباية ضرائب على دخلهم ومنحهم التمتع ببعض الميزات أسوة بعامة المواطنين وعلى وجه الخصوص التعليم. وفي المهن العالية مثل الطب وتقنية المعلومات تستقطب أعلى المهارات من جميع أنحاء العالم برواتب ومميزات مغرية وتحرص على تجنيسها.
- في أوروبا تعتمد دول الشمال على دول الجنوب الأوروبي- في مجال الخدمات- من البرتغال وأسبانيا واليونان وبعد انحلال منظومة الاتحاد السوفيتي فتحت الأبواب للعمالة من شرق أوروبا. ومصدر آخر في غاية الأهمية لأوروبا.. العمالة الوافدة من شمال أفريقيا وغيرها من دول حوض البحر الأبيض المتوسط.
في كل الحالات يوجد ضوابط قانونية تحكم الإقامة والعمل والتعليم والضمان الاجتماعي والضرائب وغيرها من العوامل المتبعة في المجتمع المدني بالإضافة إلى شروط التكيف والاندماج وإجادة اللغات المحلية.
- دول مجلس التعاون فتحت أبواب الاستقدام لعمالة من شرق آسيا بالملايين من الهند وبنغلادش واندونيسيا والفلبين والباكستان وقد كان الأولى أن يتم التركيز على الدول العربية المجاورة مثل: اليمن والسودان والصومال والأردن وفلسطين وسوريا ومصر -كمصادر رئيسية للعمالة- وفق استراتيجية مرنة تسمح بالإقامة الدائمة وتسهل الانخراط في مهن محددة تحتاج لها الدول الخليجية ويكون فيها مجال لتسهيل الاندماج المؤدي لمنح الجنسية فيما بعد ضمن ضوابط معينة تفرضها الظروف الاقتصادية والتنموية والمنافسة في أسواق العمل.
إن إستراتيجية توطين الوظائف بالكامل هدف طموح ولكنه صعب المنال في المنظور القريب .. كما إن رهان الاعتماد على العمالة الوافدة إلى الأبد من خلال استصدار تأشيرات عمل وخروج وعودة يتطلب توظيف أعداد كبيرة من المواطنين في أعمال روتينية مكلفة وينبغي أن يقل الاعتماد عليها مع التعود على استخدام التقنيات الحديثة في أعمال وزارتي الداخلية والعمل وتمكين المراجع من إدخال المعلومات وإنجاز إجراءات معاملته عن طريق الحاسوب والانترنت.
لقد جرت العادة بإتباع نمط إداري معين والثبات عليه لسنين طويلة بدون تغيير.. وبغض النظر عن نجاحه من فشله .. ولكن مراحل التغيير ينبغي أن تحمل معها نماذج إدارية عملية ومواكبة وإلا تعذر نجاح تغيير يلبي تطلعات المواطن ويناشد مستجدات العصر والاستفادة من تجارب الدول ذات السبق في مجالات التصنيع والتنمية المستدامة.
إن المرحلة الحالية تتطلب مناقشة توطين الوظائف بكل شفافية ومواصلة الحوار بموضوعية حول مستقبل سوق العمل .. والحد من ارتفاع معدلات البطالة.. وإعطاء المرأة فرصة العمل في المكان المناسب .. مع مراعاة أننا جزء من عالم تجتاحه المتغيرات ويتطلب منا التكيف والتعاون والأخذ بوسائل العصر ورفع سقف تطلعاتنا بما يحقق الطموحات ويعمق تجربتنا في مسيرة الإنسانية ويحصن هويتنا العربية الإسلامية من التشوهات.. والله المستعان

*نقلا عن المدينة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.