إلى أين يتجه الجنيه المصري؟

فهد بن عبد الله الحويماني

نشر في: آخر تحديث:

في عدد 5/11/2012 من صحيفة ''الاقتصادية'' تساءلت عما إذا كان الوقت قد حان للاستثمار في مصر، وختمت المقال بالقول إن الاستثمار في مصر مسألة عملة في المقام الأول، وإن وقت التفكير في الاستثمار في مصر يبدأ عندما يكون هناك استقرار في العملة المحلية، وحينها يمكن النظر إلى الفرص الاستثمارية، سواء شراء السندات أو أسهم الشركات المصرية أو الاستثمارات العقارية الموجهة للسياح أو غيرها.

ثم أشرت إلى أنه من غير المستبعد وليس بالمستغرب أن يتوقف البنك المركزي المصري عن شراء الجنيه، إما بسبب نفاد الاحتياطيات - أو للحفاظ على ما تبقى منها - ومن ثم ترك العملة تعمل بشكل عائم تمامًا، وأن ذلك قد يتطلب انتظار المستثمر عامًا أو عامين لمعرفة مكان استقرار العملة، التي قد تنخفض من 30 إلى 50 في المائة أمام الدولار.

انخفض الجنيه المصري في الأيام الماضية إلى سعر صرف سبعة جنيهات للدولار، أي انخفض بنحو 13 في المائة منذ ذلك الوقت، وتجاوز الانخفاض 19 في المائة منذ ثورة 2011. كما أن الجنيه يتداول حالياً بأقل من ذلك في السوق السوداء بسعر صرف يبلغ 7.50 جنيه للدولار. هل سيواصل الجنيه انخفاضه؟ وهل ينخفض إلى أكثر من 30 في المائة؟ ثم هل يؤدي ذلك إلى تعويم الجنيه ويصبح الجنيه أول من يحظى بالحرية الحقيقية؟

ربما أن من أهم العناصر المؤثرة في سعر صرف الجنيه المصري حجم الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، الذي انخفض من نحو 40 مليار دولار قبل الثورة إلى نحو 15 مليار دولار ثم إلى 14.50 مليار دولار ومنها إلى نحو 13 مليار دولار في نيسان (أبريل) الماضي، إلى أن أعلن البنك المركزي أن حجم الاحتياطيات أخذ في الصعود إلى ما فوق 16 مليار دولار حالياً. وقد يعود السبب في تحسن وضع الاحتياطيات إلى بعض المساعدات التي تلقتها مصر من بعض الدول، وربما السبب الأهم يعود إلى بعض الإجراءات التي تقوم بها الحكومة المصرية في سعيها للاستجابة لمتطلبات صندوق النقد الدولي بغرض الحصول على قرض بقيمة 4.80 مليار دولار.

فمن ضمن الشروط التي يفرضها هذا المقرض الدولي قيام مصر باتباع خطوات ترشيدية لخفض عجز الموازنة البالغ 30 مليار دولار لهذا العام. كما أن على مصر رفع نسبة الضرائب وخفض حجم المعونات التي توجهها الحكومة في أوجه اقتصادية مختلفة، مثل الوقود والطاقة وبعض المواد الغذائية ومعونات المزارعين.

وحاولت حكومة الرئيس مرسي جاهدة الالتزام بجميع هذه المتطلبات، على الرغم من الضغوط الشعبية التي تقف ضد ذلك، حيث ترى فيها انتهاكاً لاستقلالية مصر وكرامة شعبها، إلا أن شروط صندوق النقد الدولي كثيرة وليست اقتصادية فقط، بل تشمل كذلك شروطا تتعلق بالاستقرار السياسي والتوافق بين مختلف أطياف العملية السياسية في مصر.

وبما أن الجنيه المصري مرتبط بالدولار الأمريكي، لكن بشكل أقل من بعض العملات مثل العملات الخليجية وبعض العملات العربية، فمن الضروري استمرار البنك المركزي في الدفاع عن سعر الصرف ومحاولة عدم الاستسلام للضغوط التي يواجهها الجنيه، وهذا يتطلب المزيد من استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، واللجوء إلى وضع بعض القيود بخصوص عمليات التحويل إلى العملات الأجنبية، حيث تمارس الحكومة المصرية كلتا العمليتين. فنجد أن هناك سعر صرف رسميا يختلف كثيراً عن السعر الطبيعي، وهو سعر السوق السوداء، وهناك إجراءات تم إعلانها أخيرا وهي التي كانت تمارس قبل أكثر من عشر سنوات بهدف الحد من خروج الأموال الأجنبية من قبل المستثمرين في بورصة الأسهم والسندات.

ومن الواضح أن عزة نفس البنك المركزي المصري تمنعه من إعلان الاستسلام أمام الانخفاض المتسارع للجنيه، وخفض سعر الصرف بشكل رسمي أو حتى تعويم العملة بشكل كامل، وهو الأمر الذي تقوم به البنوك المركزية التي تجد نفسها في مثل وضع البنك المركزي المصري. إلا أنه في النهاية لا بد لأمر ما أن يحدث بشكل سريع، وهو إما التعافي غير المتوقع للاقتصاد بشكل يجنب الدولة مخاطر تدهور سعر الصرف، وهو أمر ممكن حدوثه في مصر، غير أنه يتطلب تعاونا كبيرا وتفاهما حكيما بين الحكومة وأفراد الشعب من جهة، وبين الحكومة والأطراف المعارضة، وهذا بالفعل ما يسعى إليه الرئيس مرسي من خلال دعوته للحوار أخيرا. أو الأمر الآخر الممكن حدوثه وهو ترك القوى الاقتصادية متمثلة في قوى العرض والطلب من أخذ مجراها، وترك الجنيه يجد المستقر المناسب له.

وعلى الرغم من أهمية خفض سعر الصرف، كونه يحقق بعض شروط صندوق النقد الدولي ويفيد في تنمية الصادرات المصرية، ويخفف من استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، وينعش السياحة المصرية، إلا أنه يبقى خطوة صعبة لم يستجمع البنك المركزي قواه حتى الآن للقيام بها.

ختامًا، ينسى كثير من الناس أن ما يجري في مصر هذه الأيام، من احتقان سياسي وعنف وجدل لا ينتهي، سببه الأبرز يظل اقتصادياً وعلاجه لن يتم إلا اقتصادياً، ولا ننسى أن شرارة الثورة ذاتها بدأت بدوافع اقتصادية، قبل أن تأخذ منحى سياسياً فيما بعد. كما أن من الملاحظ أن الاعتراضات القوية ضد عملية الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بدأت تخف وطأتها وكأن الناس بدأوا يرضخون للأمر الواقع، عندما استشعروا أهمية دعم الاقتصاد المصري في مثل هذه الظروف الحالكة. وفي اعتقادي الشخصي أن مصر ستحصل على القرض المطلوب إلا أن ذلك لن يوقف الانخفاض المستمر في سعر الصرف، وبذلك لن يكون هناك وقت مناسب للاستثمار في مصر قبل استقرار العملة، التي ما زلت أعتقد أنها تحتاج إلى عام أو عام ونصف من الآن لتستقر بشكل أو بآخر.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.