الاقتصاد وثلاثية الثورة

شريف دولار

نشر في: آخر تحديث:

لا يتحقق التغيير الثوري دون فهم كلي لأسباب القهر‏,‏ ووسائل القضاء علي الاختلال في موازين القوي‏,‏ وكيفية إجراء التحول, ولقد قامت ثورة يناير2011 من أجل تأسيس علاقات مجتمعية جديدة عبرت عنها ثلاثية العيش والحرية والعدالة الاجتماعية, والتي هي خلف نفس المطالب الشعبية لثورة30 يونيو.2013

ولقد اتبعت حكومات ما بعد الثورة نهج الاقتصاد اليميني لحكومتي عبيد ونظيف, معتبرة أنه الطريق الأفضل للأداء الاقتصادي, علما بأن إشكالية العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تكمن في قلب مسار اليمين الاقتصادي المصري سواء كان تحت مظلة الليبرالية أو الإسلام السياسي, حيث الارتباط بين عدم المساواة وتكافؤ الفرص في الاقتصاد اليميني وبين الأمراض الاجتماعية التي تصيب المجتمعات مثل الفجوة الكبيرة بين الثراء والفقر والنسب المرتفعة من البطالة والأمية والجرائم وإدمان المخدرات, وهذا ما وضح للعالم بعد الأزمة المالية الكبري عام2008, وهي الأزمة التي أودت بمستوي معيشة الطبقات الوسطي في أمريكا وأوروبا, والتي خلفت مآسي إنسانية لعل أبرز مشاهدها حاليا البطالة بين الشباب والتي ارتفعت إلي50% في كل من إسبانيا واليونان, و35% في البرتغال, و32% في إيطاليا وأيرلندا!

علي الدولة المصرية الجديدة أن تؤسس اقتصادا للتضامن يبني علي أسس الديمقراطية الاجتماعية والمؤشرات التي تتوجه لكل أصحاب المصلحة في الوطن وتساعد علي قياس الأهداف المرجوة في النمو والتشغيل هي نقطة البداية لتقييم أداء الاقتصاد الجديد, فالمؤشر التقليدي للناتج الإجمالي مثلا غير كاف لقياس النمو الحميد لأسباب عدة, فهو لا يفرق بين الدخل ورأس المال, معتبرا استهلاك الموارد الطبيعية الناضبة نموا, وعليه مطلوب مؤشرات إضافية لقياس عوائد استخدام مدخلات الاقتصاد- بما في ذلك الموارد الطبيعية- علي مستوي معيشة المواطن في الحاضر والمستقبل, وكذلك مؤشرات لنسب الأجور داخل المؤسسات ولحصة العمل في الدخل القومي ولنصيب الفئة العليا من المجتمع من الدخل, بالإضافة إلي ثلاثة متوسطات للتضخم طبقا لشرائح المجتمع العليا والوسطي ومحدودي الدخل- وعدم الاكتفاء بالمؤشر المتوسط العام الواحد والذي يصلح جيدا لمجتمعات ذات طبقة وسطي عريضة, وفي السياق نفسه تتصاعد نسبة الضريبة علي الدخل مع كل منزلة عشرية-أي عشرة آلاف ثم مائة ألف ثم مليون..الخ-

فالمساواة وتكافؤ الفرص هما عنصران أساسيان للعدالة الاجتماعية سواء كان ذلك في توزيع الدخل أو اقتناء الثروة. والعلاقة وثيقة بين الديمقراطية الصناعية والديمقراطية الاجتماعية, ولم تكن الاحتجاجات العمالية والاعتصامات والاحتجاجات الفئوية إلا نتيجة لغياب هذا الرباط, فالديمقراطية الصناعية تعني تقنينا لتفاوض جماعي قوي ومجالس للعمل ومشاركة العاملين في القرارات التي تمسهم وتمكينهم والارتقاء بمستوي مهاراتهم وقدراتهم, وتعني تأمين العمل وإعادة الاعتبار للعمل اليدوي وقيمته الاجتماعية, وتوفير مزايا للأم العاملة, ولعل تجارب ألمانيا والدول الاسكندنافية لخير دليل, فلقد أثبتت أنه لا يوجد تعارض بين مؤسسات ونقابات قوية تعبر عن صوت القوي العاملة وبين الأداء الاقتصادي المتميز, وأن ظروف العمل في مصر تتطلب تحركا سريعا لإعطاء المواطنين صوتا مؤسسيا مسموعا في أماكن العمل لإرساء نموذج متطور يضمن النمو وفرص الكسب والعلو لطرفي العملية الإنتاجية.

والتشغيل هو في جوهر ثلاثية الثورة, وحيث إن الإسكان يشكل أزمة حقيقية للشباب فان مشروعا قوميا لبناء وحدات تمليك بالجهود الذاتية سيتطلب جيشا من العاملين, علاوة علي تحفيزه لصناعة التشييد والبناء وما وراءها من صناعات مغذية, كما أن استراتيجية التشغيل السريع يمكن أن تتضمن مشروعات لصيانة البيئة في المحافظات والمدن والعشوائيات وأخري لإصلاح الطرق وتطهير المصارف وترميم المنشآت في القري بما يوفر فرص العمل للآلاف دون الحاجة إلي تدريب مسبق طويل.

وسلطة الحكومة المركزية لتحقيق العدالة يجب أن تمتزج بدور أكبر للحكم المحلي في التمويل والإنفاق, بحيث تتمتع المجالس المحلية والأجهزة التنفيذية بحق الاقتراض لمشروعات استثمارية وخدمية ذات جدوي اقتصادية, وتقوم بالسداد من عوائدها المستقبلية مما يخفف العبء علي الموازنة العامة ويولد فرص عمل جديدة ويحقق التنمية المحلية, وتمثل المؤسسات المحلية(community-basedinstitutions) ـ مثل التعاونيات المالية والبنوك المحلية ورأس المال المخاطر المحلي مسارا ناجحا- طبقا لتجارب اللامركزية الاقتصادية في العالم- لبناء اقتصاد للمحليات علي أسس الكفاءة والمساواة والاستدامة والمحاسبية والتضامن والديمقراطية.

ويتطلب اقتصاد الثورة إصلاح وتنظيم قطاع الأسواق المالية لمواجهة المضاربة ولضمان الشفافية والمساءلة, وإلغاء الحوافز التي تؤدي إلي انحراف مسار التنمية, مثل إعفاء أرباح الأسهم في البورصة من الضرائب, ووضع ضوابط علي عمليات الاندماج والاستحواذ لمنع الاحتكار ولتفادي سيطرة الخارج علي الاقتصاد الوطني. وعلي السياسة الاقتصادية تحديد قواعد الاستثمار الذي لا يضر بالبيئة ويتفق مع معايير العمل الدولية.

*نقلا عن صحيفة الأهرام المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.