الهند بين انخفاض الروبية ومكافحة الجوع

ذِكْرُ الرَّحْمَن

نشر في: آخر تحديث:

في يونيو الماضي، انخفضت الروبية الهندية كثيراً أمام الدولار الأميركي. وفي ذاك الوقت، ذهبت التوقعات إلى أنه من المحتمل أن تستقر الروبية لفترة قصيرة، على الأقل حتى نهاية العام. لكن تواصل انخفاض الروبية يدفع البلاد صوب أزمة اقتصادية. وانخفضت هذا الأسبوع إلى مستوى قياسي آخر اقترب من 69 روبية مقابل الدولار.

وبينما تضررت جميع الأسواق الصاعدة من قوة الدولار الأميركي بسبب التناقص التدريجي في شراء الاحتياط الاتحادي الأميركي للسندات، تضررت الروبية الهندية بشكل أكبر لأنها تكافح لتمول العجز في حسابها الجاري.

وفي هذا الوضع المالي الصعب، استجابت الحكومة بسلسلة من الإجراءات أملا في وقف تهاوي العملة الهندية. فقامت بتسييل مخزون البلاد من الذهب، واتجهت نحو خطوة أخرى تمثلت في تقليص استهلاك الوقود لتقلل الاستيراد. ورفعت رسوم الجمارك على الذهب وعلى شاشات التلفزيون المسطحة.

وحاول رئيس الوزراء مانموهان سينج، الاقتصادي الضالع في السياسة، الذي لعب دوراً محورياً في انفتاح اقتصاد بلاده على العالم، أن يهدئ الأسواق والشركات الكبيرة. واعترف بأن البلاد "تواجه وضعاً صعباً" وقال إن الاقتصاد الهندي يتضرر من عوامل داخلية ودولية بسبب تغير الموقف النقدي للولايات المتحدة. وأضاف أيضاً أن تصاعد التوترات في سوريا قد يكون له عواقب سلبية على أسعار النفط. لكن يتعين على رئيس الوزراء الهندي أن يتبع كلماته بفعل لأن النمو البطيء الذي يعاني منه الاقتصاد الهندي، وأيضاً اللوائح الصارمة قد نفَّرت المستثمرين الأجانب، الذين سحبوا أموالهم من البلاد جراء تدهور الاقتصاد.

واشتهرت الهند دوماً بأنها مكان صعب للاستثمار بسبب العراقيل التنظيمية. لكن معدلاتها المرتفعة في النمو خلال السنوات القليلة الماضية، الذي صاحبه نمو في الطبقة الوسطى، وفي مدخراتها جذبت الشركات الأجنبية في عدد من القطاعات.

وفي العام الماضي أو قبل ذلك، تلقت قصة النمو الهندية ضربة مع تراجع النمو من نسبة مكونة من رقمين إلى ما يقدر حالياً بنسبة خمسة في المئة. والمفهوم الآن أنه في مرحلة ما ستعترض القواعد طريق الاستثمار. ومما زاد الطين بلة أنه مع بقاء أقل من عام على الانتخابات، اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات شعبوية أيضاً، وهي ليست دائماً في صالح الاقتصاد. وتخبطت الحكومة فيما يبدو بعدم اتخاذها إجراءات عاجلة عندما بدأت الدلائل تشير إلى تراجع اقتصادي. وفي الوقت الذي تحركت فيه بفتح قطاعات البيع بالتجزئة والطيران كانت ثقة المستثمرين قد تضررت بالفعل.

والآن وكي تعزز صورتها باعتبارها تقف في صف الفقراء لتحسن فرص فوزها في الانتخابات العامة لعام 2014، أقرت حكومة حزب "المؤتمر" مرسوماً لتقديم حبوب غذاء رخيصة لفقراء الهند. ويحذر منتقدون أن البرنامج يواجه مشكلات في التنفيذ وسيستنزف موارد الحكومة في وقت يتباطأ فيه نمو البلاد.

وأقر البرلمان الهندي مشروع قانون الأمن الغذائي الذي طال تعليقه ليوسع برامج الدعم الموجودة ثمانية مرات ليستفيد منه ما يزيد على 800 مليون شخص بكلفة تصل إلى 1.3 تريليون روبية.

ويكفل مشروع القانون خمسة كيلوجرامات من الحبوب من بينها الأرز والقمح والحبوب الأخرى كل شهر لكل شخص بسعر ثابت بين ثلاث روبيات وروبيتين وهذا ليس سعراً زهيداً فحسب، بل مجانياً تقريباً. ويعد مشروع القانون أيضاً بدفع علاوة ثابتة، إذا لم تتوافر الحبوب.

وبينما اعتبر مبادرة مهمة لمعالجة مشكلات الجوع في الهند البلد الذي يعيش فيه ثلث فقراء العالم حذر منتقدون من أن البرنامج سيرهق خزانة الدولة في وقت يتباطأ فيه النمو ويرتفع فيه العجز في الحساب الجاري. وانهارت الأسواق الهندية في اليوم التالي لإقرار مشروع القانون في انعكاس للمزاج في السوق. وبخلاف هذا التشريع الذي كان من بنات أفكار رئيسة حزب "المؤتمر" الحاكم سونيا غاندي، وهي تنظر على الانتخابات، لم تتخذ الحكومة بالفعل أي إجراء مهم لمعالجة المزاج السلبي في السوق. بل بدلًا من هذا تقدم البنك المركزي ليراقب الضغط على الروبية في غياب أي إجراء حكومي آخر.

والنفط هو أكبر واردات الهند وتقليص الطلب المحلي عليه قد يقلص الصادرات لتخفيف الضغط على الروبية. ورغم أن الحكومة صرحت بأنها ستكشف عن إجراءات تستهدف تقليص استهلاك الوقود فربما تكون الطريقة الوحيدة لفعل هذا هو تقليل الدعم على النفط. ومن غير المرجح أن تتخذ الحكومة مثل هذا الإجراء بانتخابات عامة ستجرى قبل عام. وتتمثل معضلة الحكومات في الاختيار بين الحذر المالي والاتجاهات الشعبوية. وتشير الدلائل بشكل واضح على أن الطريق الذي قررت الحكومة سلوكه هو الشعبوية.

*نقلا عن صحيفة الاتحاد الاماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.