حلحلة نموذجنا الاقتصادي هو حل البطالة

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

أيهما الأهم، زيادة فرص العمل أم تنمية رأس المال، العلاقة كبيرة ومتداخلة جداً، والإجابة عنها هي التي ستحدد الكثير في المستقبل الاقتصادي لهذه البلاد. ما شدني لطرح هذا السؤال هو تصريح الأمير فيصل بن سلمان أمير منطقة المدينة المنورة أثناء لقائه وزير العمل، حيث جاء فيه ''إن الإمارة تتعاون مع (العمل)، لاستثمار الفرص الوظيفية الناتجة عن مشاريع المنطقة التنموية''، انتهى الاقتباس. والواضح جداً من هذا التصريح وغيره كثير أن هناك إرادة سياسية واضحة جداً لا لبس فيها من أجل توفير فرص عمل للمواطنين، وأن الهدف من المشاريع التنموية والمبالغ الضخمة المرصودة لها هو خلق فرص عمل للمواطنين برواتب مجزية، لكن هذه الإرادة السياسية الواضحة كالشمس تقابلها إرادة معاكسة من أصحاب رؤوس الأموال، ليس لعدم الرغبة في التعاون، بل لأن الرأسمالي بطبعه يسعى إلى تعظيم ربحه وتقليل تكاليفه.

أين مشكلتنا إذاً في موضوع فرص العمل؟ هل هي في عدم قدرة الاقتصاد على خلق وظائف، أم عدم رغبة رجال الأعمال في توفير تلك الفرص وإتاحتها للمواطن؟ لقد نشأت هذه المشكلة منذ انطلاقة الاقتصاد السعودي بقوة بعد اكتشاف النفط، فهي بعمر الاقتصاد السعودي الحديث. ذلك أن عناصر الإنتاج الحقيقية والقادرة على خلق الثروة الكافية للناس في هذه البلاد هي بيد الدولة، بينما معظم المواطنين هم عبارة عن عمال، ورجال أعمال وجميعهم لا يملكون عناصر إنتاج كبيرة، بل هامشية.

عندما بدأ ضخ النفط بدأت الدولة تمارس أدواراً اقتصادية معقدة، ولن نقول بين ثقافتين رأسمالية واشتراكية، فهي تحاول أن تعيد ضخ الثروة بيد المواطنين من خلال نماذج توزيع تعتمد على الإنتاج، فاعتمدت الوظيفة الحكومية كطريقة أساسية لتوزيع الدخل، ولكن معظم هذه الوظائف هي وظائف بيروقراطية غير إنتاجية، فأصبح توزيع الثروة قضية اجتماعية أكثر منها قضية رأسمالية. ثم في الوقت نفسه سمحت بأن يقوم المواطن بإنشاء مؤسسته الخاصة لتقديم خدمات للدولة والمجتمع، ومن ثم يتم تحويل جزء من الثروة إلى هذه المؤسسات في مقابل تلك الخدمات، لكن مرة أخرى لم تكن هذه المؤسسات صناعية وإنتاجية بدرجة كبيرة، وهكذا ولسنوات طويلة تركزت عملية خلق الثروة وتوزيعها بيد الدولة فقط، ووفق قرارات اجتماعية صرفة ليس لها علاقة بحجم الإنتاج.

ولأن المملكة دولة مترامية الأطراف، وجدنا في البدايات مشكلة نقص العمالة في القطاع الخاص وخاصة أن الدولة قامت بتشغيل العمالة السعودية المتاحة كافة، ودفعت رواتب مجزية جداً لا تتناسب مع مستوى إنتاجها، وللتوازن اتجه رجال الأعمال إلى استقدام العمالة التي تقبل برواتب أقل من مستوى الإنتاج، وهكذا ظهرت فجوة اقتصادية ضخمة واستمرت في التعاظم، دولة تتحمل مسؤولية التوظيف والتوزيع العادل للثروة، ورجال أعمال يعملون على احتكار الثروة من خلال تنمية رأس المال وتعظيم الأرباح حتى ولو كانت بقهر العمال .. فكران اقتصاديان متناقضان يعملان معاً في وقت واحد. فكر اقتصاد اجتماعي يعمل على توزيع الثروة بغض النظر عن الإنتاج، وفكر رأسمالي يريد احتكار جميع وسائل الإنتاج ويعمل مع العمال بطريقة العرض والطلب بلا حد واضح لمستوى الرواتب فلا سقف لها ولا حد أدنى.

عندما تزايد تعداد الشعب وبدأت الدولة تفقد مزية القدرة على التوزيع العادل للثروة من خلال التوظيف وتريد أن تخلق مسارات جديدة لتنمية القطاع الخاص وتعزيز دوره في التوظيف، كانت مفاهيم العمل والاقتصاد عند هذا القطاع الخاص مختلفة جداً وترسخت بطريقة خطيرة، فهو مستعد لاستقبال العمال لكن وفق مفاهيم العرض والطلب والسوق الحرة، يريد القطاع الخاص أن يعمل وفق مفاهيم تعظيم الأرباح وليس مفاهيم المسؤولية الاجتماعية. لذلك كلما حاولنا إقحام القطاع الخاص في قضية البطالة، ضج رجال الأعمال، فهذه القضية لا تمثل لهم هماً استراتيجياً ولا لأعمالهم، فالدولة أهم مشترٍ صافٍ منهم وليس العمال، كما أن الموظفين القادرين على الشراء هم الذين يعملون في الدولة ويتقاضون رواتب جيدة، لذلك فإن أعمال القطاع الخاص مستمرة ولن تتأثر مهما تزايدت نسب البطالة في المجتمع. فالصورة الذهنية لديهم الآن أن البطالة ليست مشكلة اقتصادية قد تتسبب في الكساد وإغلاق مشاريعهم لعدم وجود مشترين مثلاً، بل هذه مشكلة اجتماعية بحتة، ومشاركتهم فيها هي من قبيل هذا المفهوم الهش.

وهكذا فالمشكلة أعقد من مجرد مشاريع حكومية ينفذها القطاع الخاص ويقوم بتشغيل العاطلين، بل مشكلة مفهوم البطالة نفسه وتأثيره على القطاع الخاص. مشكلة عميقة جداً تكمن في قلب النموذج الاقتصادي الذي نتبعه، والحل في نظري يكمن في العودة إلى هذا النموذج وحلحلته بأي طريقة، فإما أن نتحول إلى نموذج شركات القطاع العام طالما الدولة غنية الآن، حيث تقوم الدولة بإقصاء القطاع الخاص من مشاريعها وتتولى هي إنشاء شركات على نموذج ''أرامكو''، حيث تقوم هذه الشركات بتنفيذ المشاريع وتوظيف العاطلين فيها، ثم تبدأ الدولة بعد مرحلة معينة تحويل الشركات الناجحة منPها إلى شركات مساهمة تمتلك الدولة حصة منها، مثل نموذج ''سابك''.

هذا الحل سيخرج القطاع الخاص الحالي من الأعمال الحكومية وعليه صياغة نفسه وأن يبذل جهده من أجل المنافسة لخلق الثروة بذاته من خلال بناء المصانع على غرار النموذجين الياباني والكوري أو خلق شراكات استراتيجية بدعم من الدولة كما يفعل برنامج التجمعات الصناعية الآن من جذب لكبار المصنعين. وبعبارة أخرى فإن على القطاع الخاص أن يترك مشاريع الدولة لها ولمواطنيها، ويقوم هو مع بعض الدعم المحدود بالمنافسة في السوق العالمية وميادين الصناعة، والاقتصاد سيضمن له النجاح لأنه سيجد في السوق السعودية مواطنين قادرين على الشراء لأنهم يستمتعون بثروة بلادهم.

بالتأكيد أن مثل هذا الحل غير مرضٍ، وخاصة لرجال الأعمال وشريحة واسعة من المثقفين لأن النظام الرأسمالي هو المتسيد العالم اليوم، لكن يجب أن نعرف أن عناصر الإنتاج لدينا لم تزل بيد الدولة، وهذه لا حل لها.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.