فضلاً لا أمراً .. سَمُّوه ما شئتم إلا نمواً اقتصادياً

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

ليس سرًّا ما نشاهده خلال السنوات القليلة الماضية من زيادة مستمرة في دخلنا القومي، ولا نقول "الناتج القومي" كما يحلو للبعض أن يسميه. وسبب ارتفاع دخلنا السنوي المتواصل، ليس كما نتمنى أن يكون، نتيجة لمضاعفة مجهودنا البدني والعقلي، بل هو ناتج من زيادة كمية الإنتاج النفطي والصعود المستمر لمستوى الأسعار النفطية. وبطبيعة الحال، فإن إنتاجنا القومي الحقيقي الضئيل بريء من ضخامة هذا الدخل الكبير. وإلى هنا والأمر عادي. ولكن عندما يحرص المسؤولون وبعض المتخصصين في العلوم الاقتصادية على الحديث عن النسبة السنوية الكبيرة للنمو في دخلنا على أنه "نمو اقتصادي"، فهذا ما لا نتفق معه ولا يمكن قبوله كحافز لأجيالنا التي تربَّت على الاعتماد على خدمات العمالة الوافدة والمداخيل النفطية السهلة الهائلة.

فعندما يتحدثون عن نسبة ارتفاع النمو الاقتصادي الياباني أو الصيني أو الكوري، على سبيل المثال، بالنسبة للسنوات الماضية، نتفهم ذلك ونجزم أن ذلك النمو هو نتيجة لنجاح خططهم وتحسّن كفاءة أدائهم. ولهم كل الحق بأن يكون مصدر فخر لكل فرد في المجتمع، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين كانت لهم إسهامات وإنجازات مباشرة. أما في بلادنا، الله يحفظها من كل سوء، فنتمنى أن يكون لنا في يوم ما الفخر في نمو الدخل. ولكن كيف لنا أن نفخر بشيء لم نبذل فيه أي مجهود ذا قيمة؟

والعالم اليوم منقسم نحونا إلى قسمين. الطرف الأول ممتلئ إعجابًا بإنجازاتنا العظيمة والباهرة. فاقتصاد معظم دول العالم المتقدم منها والمتأخر يتدهور ويشكو من الضعف وقرب الانهيار، رغم توافر جميع مقومات النجاح، باستثناء ارتفاع أسعار مصادر الطاقة الذي ينذر بتفاقم الوضع بدلاً من المساعدة في الإنعاش. وهم يظنون، أو هكذا نعتقد، أن هذا النمو السنوي الكبير الذي نتحدث عنه، إنما هو ناتِج عن جدارة في إدارة أمور حياتنا وطفرة في إنتاجيتنا، ولا نقول إنتاجنا. وطرف آخر يدركون أن ما يشاهدون من نمو في الدخل المالي وارتفاع في السيولة هو ثمرة زيادة الإنتاج النفطي وارتفاع سعر برميل النفط إلى المستويات الحالية، ولا علاقة له البتة بنشاطنا وبراعتنا في إدارة شؤون حياتنا. ولكنهم يطبقون النظريات الاقتصادية التي لا تفرق بين أسود وأبيض، ويأخذون الأمور على علاتها، فيسمونه نموًّا اقتصاديًّا، إما جهلاً أو مجاملة لنا وكلاهما ممقوت.

أما دور المواطن السعودي، والخليجي بوجه عام، في هذه المعمعة الاقتصادية، فلا يعدو عن كونه متفرجًا ويبحث عن المزيد من الدخل، غير عابئ بما يخبئ له الزمن. فثقافته النفطية لا تزيد على ثقافته في علم الفلك أو علوم "النانو". فلا نعتقد أنه يفخر بما لم ينجز ولا يتبرأ من نمو هو نفسه بريء منه. ولو كان فعلاً نموًّا اقتصاديًّا حقيقيًّا، كالذي يحصل في البلدان المتقدمة المعروفة بالإبداع والنشاط وتنويع الدخل والسعي وراء النجاح وعدم الاعتماد على الغير، لكنا أول منْ يفخر به ولكسبنا احترام الآخرين.

أما ما نفعله اليوم من طمس للحقائق ومن عدم تسمية الأشياء بمسمياتها الواقعية فلن نجني من وراء ذلك إلا عدم الاكتراث بمستقبل أمتنا وأجيالنا. وكان علينا أن نعترف بأن ما لدينا من دخل وفير لا يمثل لا من قريب ولا بعيد ما يسمى بالناتج القومي. وإنما هو دخل من بيع سلعة جاهزة قابلة للنضوب. والأولى أن نستعين به على بناء اقتصاد مُنتِج مستديم، بدلاً من اقتصادنا الحالي الريعي غير المستديم والمرتبط بوجود الثروة النفطية الفانية. فنحن في حاجة إلى تغيير المفاهيم السائدة عن طبيعة الدخل الكبير وعلى حث أبناء المجتمع على العمل المنتِج، عن طريق التخطيط السليم، والاستقلال بذاتنا عن المصادر الناضبة قبل أن تهلك ونهلك نحن بعد انتهاء دورها.

مع كامل الإدراك أننا لا نعني فقط تغيير التعبير والكلمات، بل الأهم هو تغيير جوهر حياتنا من شعوب تعيش عالة على ما لا تُنتِج ولا تصنع وعلى عمالة تُنهك اقتصادنا، إلى أمة تكسب دخلها ومعيشتها من عرق جبينها كبقية خلق الله على أرضه. وويل لنا ولأجيالنا من يوم لا يرحم، عندما يتضاعف عددنا ويتضاءل دخلنا، ونحن لا نزال نعيش في أحلام رغد العيش والرفاه القاتل.

فمن الخطأ الفاحش أن نربي أجيالنا على الأوهام. ونردد على أسماعهم أن لدينا اقتصادًا ينمو سنويًّا بنسب خيالية، بينما غيرنا ممن لهم السبق في المجالات العلمية والصناعية يتحول نمو اقتصادهم إلى الاتجاه السالب. وكيف نبرهن لجيلنا أن ما هو حاصل فعلاً يمثل إنجازًا حقيقيًّا ويدعو إلى الفخر؟ بينما هو في واقع الحال لا يعدو عن كونه دخلاً نفطيًّا بامتياز! وحتمًا سيكون رد الفعل لديهم، لماذا التعب والنصب ونحن نحصل على أكثر مما نريد دون عمل و"وجع رأس"؟ خصوصًا أننا كمسؤولين ومربِّين وآباء لم نهيئ أبناءنا وفتياتنا على حب العمل والجد والاجتهاد والإنتاج وتقدير قيمة الوقت والالتزام بالنظم السائدة. ونظرة سريعة إلى جميع شعوب الأرض من حولنا، ترى في وجوههم الجد والنشاط وهم يكافحون من أجل البقاء وكسب المعيشة ويتحدون المصاعب، وأحيانًا قلة الموارد.

وإذا لم نعمل الشيء نفسه اليوم، ما دمنا نملك الأمان ورأس المال، فما الذي سنستطيع عمله إذا اختل التوازن الأمني والمالي، في حالة ترك الأمور تسير بنا عشوائيًّا ودون تخطيط مُسبَق؟

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.