نفط سورية والحرب

وليد خدوري

نشر في: آخر تحديث:

انطلقت شرارة الحرب الأهلية السورية في آذار (مارس) 2011، وتكبد القطاع البترولي (النفط والغاز) حصته من الدمار الذي أصاب البلاد منذ بداية الثورة. وقال وزير البترول السوري في تشرين الأول (أكتوبر) 2012 ان الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع البترول حتى تاريخه تقدر بنحو 2.9 بليون دولار، معظمها نتيجة خسائر الصادرات بعد إعلان الحظر الغربي على الصادرات النفطية التي كانت تتجه غالبيتها الساحقة إلى السوق الأوروبية. وهناك طبعاً الخسائر الناتجة من تدمير البنى التحتية من سكك الحديد وأنابيب النفط ومصافي التكرير.

وبحسب تقرير آخر للحكومة السورية، فإن كلفة هذه الخسائر حتى نهاية تشرين الأول 2012 تقدر بنحو 220 مليون دولار، منها خسارة 146 مليون دولار نتيجة التدمير الذي لحق قطاع الكهرباء وأكثر من 70 مليون دولار خسائر في البنى التحتية النفطية.

هذه طبعاً ليست سوى أرقام أولية، فهي جزء من المسلسل الطويل من الخسائر لهذا القطاع الحيوي، إذ تدل تجارب دول شرق أوسطية عانت أخيراً الحروب والحصار، خصوصاً العراق وإيران وليبيا، على ان الفوضى العارمة تلحق بالقطاع البترولي لسنوات بعد انتهاء الحروب والحصار وتشمل سيطرة المليشيات على المؤسسات النفطية وانتكاسة كبيرة للإنتاج كما يحدث حالياً في ليبيا وكما حدث تدريجاً في إيران من سيطرة لمؤسسات الحرس الثوري على القطاع البترولي والتصرف والتلاعب بعقود القطاع من دون محاسبة تذكر أو شفافية ذات صدقية، وعدم تمكن الدولة من العودة إلى مستوى الإنتاج النفطي السابق (إيران) أو الفساد والسرقات المفضوحة بالإضافة إلى هجرة المهندسين الجماعية وفقدان الكادر الوطني في واحدة من أهم صناعات البلاد (العراق).

كذلك هناك خسائر غير معلنة ذات أبعاد جيوسياسية إذ حاول بعض وزراء النفط السوريين في السنوات الماضية تحويل بلادهم إلى دولة ترانزيت للنفط للأسواق العالمية، آخذين في الاعتبار موقع البلاد الاستراتيجي. لكن هذه المحاولات جوبهت بسياسات المواجهة التي تبنتها الرئاسة والتي أثرت سلباً في مصداقية البلاد. وعلى رغم ذلك استمرت محاولات وزراء النفط تحقيق هذا الهدف، لكن بعض تجارب الدول المصدرة مع سورية لم تكن مشجعة البتة، إذ ربطت دمشق سياسة الترانزيت بسياستها الإقليمية، ما أدى إلى إغلاق خط أنابيب النفط الخام العراقي إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر المتوسط في أوائل الثمانينات مع بدء الحرب العراقية - الإيرانية.

واقترِحت خلال السنتين الماضيتين مشاريع ترانزيت، لكن نتيجة لطبيعتها السياسية الواضحة، من المستبعد ان يجري تنفيذها. ووُقع اتفاق ثلاثي بين إيران والعراق وسورية في أيار (مايو) 2011 وهو يهدف في ظاهره إلى تصدير الغاز الإيراني عبر العراق إلى سورية. وتعتقد الأوساط البترولية الدولية ان الهدف الحقيقي من الخط، في حال تنفيذه فعلاً، هو تشكيل خطوة أولى لتصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا. ولكن بما ان أوروبا مشتركة في حصار بترولي على إيران، من غير المتوقع ان يجري تشييد الخط، وبالفعل لم يجر تنفيذ أي جزء منه حتى الآن.

وهناك اتفاق أيضاً لتشييد خطين لنقل النفط الخام من العراق إلى سورية، بالإضافة إلى خط ثالث للغاز الطبيعي. وهذه الخطوط مهمة اقتصادياً واستراتيجياً للعراق، خصوصاً إذا قرر العراق تصدير الغاز من حقل عكاز في غرب البلاد مع تفادي الهجمات التخريبية المتكررة على خطوط أنابيبه الشمالية المتوجهة إلى تركيا، وكذلك تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط الغاز العربي الذي ينقل الغاز المصري إلى أوروبا عبر سورية وتركيا. وبما ان هناك نقصاً في الإمدادات المصرية، فسيستطيع الغاز العراقي تعويض هذا النقص.

يقدر الاحتياط المؤكد من النفط الخام السوري بنحو 2.4 بليون برميل. وكان مجمل الإنتاج قبل حرب 2011 نحو 330 ألف برميل يومياً. أما الاستهلاك المحلي قبل الحرب، فبلغ معدله نحو 258 ألف برميل يومياً. وتدل هذه المعطيات على ان مستوى الاحتياط في السنوات الأخيرة انخفض من مستواه السابق البالغ 2.4869 بليون برميل لعدم التمكن من اكتشاف احتياطات جديدة.

وصاحب انخفاض الاحتياط، انخفاض ملحوظ في الإنتاج، إذ سجل الإنتاج النفطي أعلى مستواه البالغ 595 ألف برميل يومياً في 1995. وبدأ الإنتاج في الانخفاض المستمر منذ ذلك التاريخ ليصل إلى 330 ألف برميل يومياً في أوائل 2011. وتمكنت سورية من إنتاج هذا المعدل من خلال إنتاجها المتزايد من النفط الثقيل (خام السويداء)، بدلاً من النفط الخفيف المتناقص. وتدل المعلومات على انخفاض مستوى الإنتاج أثناء الحرب إلى نحو 153 ألف برميل يومياً فقط في تشرين الأول 2012. والمشكلة الكبرى التي عانتها البلاد قبل الحرب هي نقصان الإنتاج النفطي وازدياد الاستهلاك، ما يعني اضطرار الدولة إلى استيراد المحروقات لتزويد السوق المحلية، أو تحويل اكبر عدد من محطات الكهرباء لاستعمال الغاز، وهذا ما حصل.

وحاولت سورية عام 2007 وأوائل عام 2011 بدء الاستكشاف في مناطقها المغمورة بالمياه أسوة بالدول المجاورة في شرق المتوسط التي اكتشفت الغاز. لكن أي اتفاق لم يبرَم مع الشركات النفطية الدولية حتى الآن. وجرى تفاوض مع شركتين أجنبيتين في 2007 من دون الوصول إلى أي نتائج. وفشلت دورة التراخيص التي أطلقت في آذار (مارس) 2011 في استقطاب الشركات نظراً إلى بدء الحرب والمقاطعة النفطية الغربية. ويقدر الاحتياط الغازي السوري بنحو 6.99 بليون متر مكعب، غالبيته من الغاز المصاحب. ويُذكر ألا اكتشافات تؤكد إشاعة سادت أوساطاً عربية أثناء الحرب السورية عن اكتشافات غازية عملاقة في سورية.

وغير معروف حتى الآن طبيعة الضربة العسكرية المقبلة لسورية. فهل ستكون مقتصرة على المنشآت والقواعد العسكرية كما تشير مشاريع القوانين التي أمام الكونغرس، أم هل ستشمل البنية التحتية، بحجة مساندتها للمجهود العسكري السوري، كما جرى في العراق حيث هدمت المصافي ومحطات الضخ، أم هل ستُوسع رقعة الضربات لتشمل أهدافاً غير عسكرية، كما هو محتمل في الحروب، على رغم نفي ذلك في البيانات الأميركية؟

ستواجه سورية تحديات كبرى في إعادة بناء صناعتها البترولية. وستعيد بناءها مع مرور الوقت ولكن بتكاليف باهظة. وعلى رغم ان سورية ليست دولة منتجة كبرى، لكنها تستطيع، على الأقل، البناء على ما اكتُشف إلى الآن وما يمكن ان توفره الاكتشافات المستقبلية. وهناك فرصة بترولية أخرى لسورية، بالإضافة إلى الاكتشاف والتطوير، وهو الاستفادة من تجارة ترانزيت النفط والغاز، وهذا ما قامت به جارتها تركيا. والشرط الأساسي لتجارة الترانزيت هو عدم النكث بالاتفاقات الموقعة واستقرار البلاد وضمان سلامة الإمدادات النفطية.

*نقلا عن صحيفة الحياة اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.