أساس مشكلة التنمية

محمد علي باناجة

نشر في: آخر تحديث:

أواصل هنا حديث التاريخ عن التنمية في مصر، (كجزء من سلسلة مقالات عن عهد مبارك)، ومشكلتها السابقة بزمنٍ طويل على عهده، والقديمة قدم التاريخ، ولا زالت إلى حدٍّ كبير مطروحة بملامحها إلى اليوم، وأساسها واحد في كل مجتمعات العالم الثالث، ملخصه تحويل النسبة الأعظم غير المدربة ضعيفة الإنتاجية من قوة العمل إلى أفراد منتجين قادرين على إضافة قيم حقيقية إلى الدخل القومي.

في مصر والمجتمعات الزراعية يتم هذا عن طريق امتصاص فائض العمالة في القطاع الزراعي، هذا الفائض عبء اقتصادي وإنساني منذ زمن الفراعنة، غالبية المواجع الاجتماعية والحياتية راجعة لوجوده. إذا افترضنا أن عدد العاملين فى هذا القطاع المتعيشين عليه 30 مليونا، وأنه يمكن إنتاج إجمالى قيمة مخرجاته بعدد 10 مليون عامل،

فإن العشرين مليون فائض عمالة وبطالة مقنعة، حقيقة الأمر أن الملايين العشرة سيُحقِّقون إنتاجا أعلى!، لأن الزيادة غير الضرورية لعنصر العمل تعيق عمليات الإنتاج وتنقص من كفاءتها، لا تضيف إليها، ولأنها بطالة مقنعة فإن مستويات أجورها متدنية جداً، فتضطرها ضغوط الحاجة إلى الهجرة إلى المدن، لتؤدي هناك أعمالاً هي أيضاً بطالة مقنعة، هذا إذا وجدتها. الجذور الاقتصادية لصور البؤس الاجتماعي راجعة إلى هذه الحقيقة، وليس كل الجذور اقتصادية.


تلكم المشكلة الأساس لم يك لها حلاً إنسانياً قبل عهود التحديث، لذلك تكفّلت الطبيعة بحلّها بحلول بالغة الفظاعة، عن طريق المجاعات والأوبئة، وهى كوارث دورية مألوفة في التاريخ المصري إلى ما قبل القرن العشرين، كانت تضرب بمعدل مرة كل عشر سنوات، فإن جاءت الضربة بأعلى من المتوسط حصدت ثلث عدد السكان!،

وإذا أضفت إليها قهر العسف وسوء الإدارة، وهما مصدران للشقاء من صنع الإنسان لا يد للطبيعة فيهما، مصاحبان في الغالب لفوضى العصور الوسطى، فما العجب إن أصبح العيش فوق واحدة من جنات الأرض (لو إن على الأرض جنات) عسرا مضني للقاهر كما المقهور، وهي حقيقة لا يدركها القاهر عادة، لكنها جلية لقارئ التاريخ. ذلكم الحال التقليدي الذي كان على التحديث أن يغيره،

ولا بد أن يتضح حتى تتضح المقدمات المحفورة فى التاريخ، لأنها أهم بكثير مما ترتب عليها.. إلى جانب قطاع الإنتاج (الزراعة) يقوم قطاعان آخران، بإمكانهما امتصاص فائض عمالته، هما الأمن داخلى وخارجى تمثله مؤسسات القوة، والإدارة (البيروقراطية)، لا غنى عنهما ولا تحتاج أهمية دورهما لبيان، فالإدارة تنظم عمليات الإنتاج وترفع كفاءتها، ومؤسسات القوة تقر هذا النظام وتضمنه وتحميه، إلا أنهما من الوجهة الاقتصادية غير منتجين، فمبرر وجودهما ما يقدمان للقطاع المنتج من خدمات، لا العكس!، علامة التعجب لها أسبابها، فبإمكانك التوغل راجعاً إلى أبعد نقطة في التاريخ تتيحها لك مصادره، سترى ما يوحي لك وكأن العكس هو الطبيعي!

*نقلا عن المدينة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.