النقود الافتراضية «البت كوين»

محمد إبراهيم السقا

نشر في: آخر تحديث:

تتفتق أذهان البعض من وقت لآخر عن أفكار ابتكارية بعضها يكون مفيدا والبعض الآخر يكون ضارا، بعضها يحدث فوضى والبعض الآخر يفيد البشرية بصورة عظيمة، معظمها يبوء بالفشل والنادر منها من يلقى النجاح. البت كوين، أو النقود الافتراضية هي أحد الابتكارات الحديثة التي تم إطلاقها في 2008 بواسطة شخص مجهول الهوية "أو ربما مجموعة من الأشخاص" يدعى ساتوشي نوكاموتو، وتعتبر من النقود الرقمية Digital Money التي يتم إصدارها دون اللجوء إلى سلطة مركزية مثل البنك المركزي، وتهدف هذه النقود إلى تمكين مستخدميها من سداد التزاماتهم إلكترونيا ونقل الأموال إلى أي مكان في العالم دون الحاجة إلى وسيط يتولى عمليات تحويل الأموال ودون أن تقع هذه التحويلات تحت سيطرة أو رقابة أي جهة في العالم.

البت كوين إذن نقود لا يصدرها بنك مركزي، وإنما يتم إصدارها من خلال شبكة خاصة، والتي تتم ببرامج خاصة عن طريق أجهزة الحاسوب للمستخدمين، ويطلق على عملية إصدار البت كوين عملية "تعدين البت كوين Bitcoin mining"، حيث يحتاج المستخدم إلى حل عدد من الألغاز التي تميل إلى التعقد كلما ارتفعت الكمية التي يصدرها، غير أن النظام الحالي للبت كوين مبرمج، حيث يكون الحد الأقصى من الكميات التي يمكن إصدارها من البت كوين هو 21 مليون وحدة فقط، وذلك حرصا على الكمية المتداولة منها وأسعار تداولها، ووفقا للتقارير المتاحة حاليا هناك نحو 11 مليون وحدة من البت كوين تم إصدارها في العالم حتى الآن، وقد تراوح سعر الوحدة بين 84 دولارا و266 دولارا، حيث تتقلب أسعار البت كوين بصورة كبيرة.

وفقا للنظام الحالي لشبكة البت كوين يمكن للمتعامل فيها من خلال المبرمجات المفتوحة على الإنترنت تحويل النقود الطبيعية إلى نقود افتراضية والعكس، كما يمكن للمتعامل الواحد أن يقوم بإنشاء أي عدد من الحسابات على النظام، ويفترض أنه يمكن من خلال شبكة البت كوين مراقبة وفحص عمليات الإصدار للوحدات الجديدة من خلال عمليات التعدين، وكذلك عمليات التحويل التي تتم بين المستخدمين في الشبكة.

تتصف عملية التعدين بأنها مكثفة من الناحية الحسابية، حيث يتطلب الأمر من المستخدم حل الكثير من الألغاز لكشف سلسلة طويلة من الأرقام والحروف لإصدار البت كوين وتحويلها إلى محفظة الكترونية، وبالطبع كلما زادت عمليات التعدين كلما أصبحت الألغاز أصعب، ويتطلب حلها برامج حاسوب متخصصة، لذلك يحرص المستخدمون للنظام على التسلح بأجهزة حاسوب قوية وببرامج متخصصة متقدمة لإصدارها، وربما أيضا محاولة قرصنة حواسيب الآخرين لاستخدامها في عمليات تعدين البت كوين، كذلك يفترض أن كل عملية تتم على البت كوين يتم تسجيلها في سجل عام يسمى Block Chain والذي يضم معلومات عن الحسابات التي تم استخدامها في عمليات التعدين والتبادل وعدد البت كوين التي تم تبادلها وذلك لتحليل هذه المعاملات وللتأكد من أن المتعاملين لا يتعاملون في الوحدات نفسها بشكل مستمر.

ينظر إلى البت كوين على أنها وسيلة لإتمام المعاملات المالية بصورة خاصة، حيث يمكن استخدامها لسداد قيمة المعاملات الدولية عن طريق الإنترنت بدون اللجوء إلى منافذ الدفع ودون تكلفة، غير أن عمليات البت كوين ليست شفافة للمنظمين مثل معاملات بطاقات الائتمان، لذلك فإنه على الرغم من أنها قد لا تبدو مهمة للأغلبية العظمى من المتعاملين في العالم، إلا أنها تشكل نقودا مهمة لفئة من الناس عبر العالم، بصفة خاصة هؤلاء الذين يحتاجون إلى سداد قيمة معاملات غير قانونية أو مشبوهة ومن على شاكلتهم، على سبيل المثال يمكن استخدام البت كوين في عمليات المقامرة على الإنترنت أو لسداد قيمة المعاملات غير المشروعة مثل عمليات غسيل الأموال وعمليات دفع قيمة صفقات غير قانونية مثل المخدرات، بينما تمثل بالنسبة للبعض الآخر أصلا استثماريا يمكن أن يحقق من خلاله المضاربون أرباحا جيدة.

حاليا أخذت البت كوين في الانتشار على نحو واضح، ففي غضون وقت قصير أخذت هذه النقود الافتراضية تكتسب أرضا على المستوى العالمي، ويتزايد الاهتمام بها يوما بعد يوم باعتبارها أداة دفع وأداة استثمار أو مضاربة، وقد أدرجت وزارة المالية الألمانية البت كوين الشهر الماضي على أنها أحد وحدات الحساب باعتبارها أداة مالية، وإن كانت لا تمثل نقودا إلكترونية، غير أن أغلبية المتعاملين ينظر إلى وحدات البت كوين على أنها وحدات استثمارية، حيث يميل سعرها إلى التقلب بشكل واضح مما يعطي الفرصة للمضاربين لتحقيق أرباح من التعامل فيها.

ولكن لماذا يفضل بعض الناس التعامل بمثل هذه النقود؟ الإجابة تكمن في أنها تتمتع بمزايا كثيرة، بصفة خاصة يمكن نقلها في أي وقت إلى أي مكان في العالم، وبخصوصية تامة ودون أن تمر أي على هيئة رقابية أو بنك، ودون دفع أن رسوم تحويل أو تحمل فروق معدلات الصرف للعملات المختلفة أو غير ذلك من التكاليف التي تفرض من خلال القنوات التقليدية لنقل الأموال، وهناك من المتعاملين في النقد الأجنبي دوليا الذين يتأثرون بشكل أساسي بتكلفة التحويل، على سبيل المثال هناك شكوى دائمة من العمال المهاجرين في العالم الذين يقومون بتحويل مدخراتهم من ارتفاع تكلفة التحويل، خصوصا بالنسبة للمعاملات صغيرة القيمة، لمثل هذه الفئات تصبح البت كوين خيارا مثاليا حيث يمكنهم تحويل ما يريدون بسرعة ودون تكلفة.

أكثر من ذلك فإن هذه التحويلات لا يمكن أن تتعرض للتجميد أو للمصادرة أو غير ذلك من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها التحويلات التقليدية إن كانت مشكوك فيها أو تتم لسداد معاملات غير قانونية، ذلك أن عمليات تجميد أو مصادرة هذه النقود تعد مسألة مستحيلة لأن مالكها هو الوحيد الذي لديه السلطة على كيفية استخدامها وأين يمكنه استخدامها.

غير أن أهم العوائق التي تقف أمام انتشار استخدام البت كوين في العالم هي صعوبة إصدارها بواسطة المستخدم العادي نظرا لتعقد برامج الوصول إليها وتعقد العمليات الحسابية اللازمة لإجراء عمليات التعدين، من ناحية أخرى فإن أسعارها تتقلب بشكل شديد من وقت إلى آخر، أما المشكلة الأساسية التي ربما يمكن أن تعترض استخدام البت كوين في عمليات التحويل هي أنه ربما لا يجد من يتم التحويل إليه طلبا جاهزا أو كافيا للتخلص منها بالسرعة المناسبة، أو التأكد من أن عمليات البيع ستتم بالسعر الذي تم إرسالها به.
*نقلا عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.