عاجل

البث المباشر

سعود بن هاشم جليدان

<p>متخصص في الدراسات الاقتصادية</p> <p>&nbsp;</p>

متخصص في الدراسات الاقتصادية

 

زيادة الرواتب سترفع الأجور التحفظية

تتدفق معظم العمالة الوطنية على القطاعات الحكومية، وتسعى جاهدةً للحصول على وظائف في أجهزة الدولة ومؤسساتها ويقبل الكثير منها البقاء على قوائم الانتظار لفترات قد تمتد لعدة سنوات، بل يترك البعض أعمالاً جيدة في القطاع الخاص ويلتحق بالقطاع الحكومي. فما الذي يدفع معظم العمالة الوطنية للهث وراء الوظائف الحكومية؟ يوجد العديد من الأسباب التي تقف وراء ذلك من أبرزها توافر الأمان الوظيفي، والحقوق المضمونة، والإجازات الطويلة، وعدد ساعات العمل الأقل، وانخفاض مستويات المحاسبة، ولكن أهم تلك الأسباب هو استقرار الأجور وضمان نموها على الأمد البعيد وتجاوز معدلات الأجور في القطاع الحكومي معدلات الأجور في القطاع الخاص.

وتشير بيانات الإحصاء الاقتصادي والبيانات القومية إلى تجاوز إجمالي تعويضات العاملين في القطاع الحكومي بقوة إجمالي تعويضات العاملين في القطاعات الإنتاجية الخاصة، على الرغم من أن حجم العاملين في الدولة أقل بكثير من حجم العاملين في المؤسسات الإنتاجية التي وردت في الإحصاء الاقتصادي. وبلغ إجمالي تعويضات العاملين في القطاع الحكومي نحو 280.9 مليار ريال في عام 2010م حسب البيانات القومية، أما إجمالي تعويضات العاملين في المؤسسات الإنتاجية حسب بيانات الإحصاء الاقتصادي فقد وصل إلى 168.3 مليار ريال. ولا توجد إحصائية دقيقة عن إجمالي العاملين في القطاع الحكومي ولكن تتوافر بيانات عن عدد العاملين المدنيين بمن في ذلك المدرسون الذين قارب عددهم مليون شخص في عام 2011م. ويعمل لدى الدولة الكثير من العاملين في المجالات الأمنية والعسكرية ووظائف أخرى قد لا يشملها السلك المدني الذين لا تتوافر بيانات عن أعدادهم وهذا أمر مقبول لحساسية بعض البيانات للأمن القومي. وعلى العموم من المتوقع تجاوز عدد العاملين في الدولة مليوني شخص في عام 2010م، شكل المواطنون الأغلبية الساحقة منهم. وإذا سلمنا بأن منسوبي الدولة بلغ عددهم نحو مليوني مشتغل، فإن معدل تعويضات العاملين لدى الدولة لن تقل عن 140 ألف ريال للمشتغل الواحد في عام 2010م. وإذا أضيفت إلى ذلك المنافع الموجودة ضمن الباب الثاني مثل بدل السفر والمكافآت ومخصصات العمل الإضافي، فسيرتفع متوسط أجور العاملين في القطاع الحكومي إلى مستويات تفوق 150 ألف ريال للمشتغل في عام 2010م. (وقد ارتفع معدل الأجور الحكومية في العامين الماضيين ولكن لا توجد بيانات شاملة عن معدلات الأجور في القطاع الخاص، ولهذا اقتصرت المقارنة على عام 2010م). وفي المقابل بلغ متوسط تعويضات المشتغل الواحد في المؤسسات الإنتاجية لنفس العام نحو 37.6 ألف ريال في عام 2010م. وتشير هذه البيانات إلى أن معدل تعويضات المشتغل لدى الحكومة تصل إلى نحو أربعة أضعاف تعويضات المشتغل في القطاعات الإنتاجية. ولو قورنت معدلات تعويضات المشتغلين بالساعة في القطاع العام بنظيراتها في القطاع الخاص، فإن مضاعف معدل التعويضات الحكومية للتعويضات الخاصة سيزيد على خمس مرات. ويمضي الموظف الحكومي أقل من 1300 ساعة سنوياً في مكان عمله، بينما يمضي موظفي القطاع الخاص ما لا يقل عن 2000 ساعة سنوياً في عمله، وهذا يرفع معدل تعويضات منسوبي الدولة في الساعة إلى أكثر من 107 ريالات، بينما ينخفض معدل تعويضات مشتغلي القطاعات الإنتاجية إلى أقل من 20 ريالا في الساعة. وبلغت معدلات الأرباح الناتجة عن توظيف مشتغل واحد في القطاعات الإنتاجية غير النفطية نحو 80 ريالا في الساعة خلال عام 2010م، بينما لا ينتج عن الموظف الحكومي أية أرباح لأن أنشطة الحكومة غير هادفة للربح.

ويثبط تراجع معدلات الأجور في القطاع الخاص مقارنةً بالقطاع الحكومي بشكل عام رغبة كثير من العمالة الوطنية في دول الخليج من العمل في القطاع الخاص، وهذا هو الذي يقود بشكل عام إلى تركز الأيادي العاملة الوطنية في القطاع العام. ويؤدي ارتفاع معدلات الأجور الحكومية فوق مستويات الأجور التي يدفعها القطاع الخاص إلى رفع ما يسمى بالأجور التحفظية للعمالة الوطنية (Reservation Wage)، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة. وسيزيد رفع رواتب منسوبي الدولة في حالة حدوثه مستويات الأجور التحفظية للعمالة الوطنية ويزيد الفجوة بين متوسط الأجور الحكومية والأجور في القطاع الخاص. ولهذا فعلى الرغم من أن رفع رواتب منسوبي الدولة يفيد العاملين في الدولة وأسرهم ويرفع من دخولهم الحقيقية ولو في الأمد القصير، إلا أنه وبطريقة غير مباشرة يتسبب في رفع مستويات بطالة المواطنين في القطاع الخاص، حيث يوسع الفجوة بين الأجور في القطاع الخاص والحكومي ويرفع الأجور التحفظية في الاقتصاد التي تقبلها العمالة للعمل في القطاع الخاص. ولتقليل ضغوط التوظيف على القطاع الحكومي وخفض معدلات البطالة في القطاع الخاص ينبغي التركيز على خفض فجوة الأجور قدر المستطاع. ويمكن الضغط على القطاع الخاص لرفع الأجور ولكن لا يمكن أن تتجاوز الأجور المدفوعة إنتاجية العمالة حيث ستبدأ مؤسسات القطاع الخاص بإغلاق أبوابها إذا اقتربت الأجور من إنتاجية العمالة، وتغلقها بشكل تام إذا بلغت الإنتاجية أو تجاوزتها. وتبذل جهود لرفع الأجور المتدنية نسبياً في القطاع الخاص تشير بيانات الإحصاء الاقتصادي إلى إمكانية ممارسة ضغوط على القطاع الخاص لرفعها بعض الشيء، ولكن لا يمكن رفع متوسطها لمستويات الأجور الحكومية. ويتجاوز متوسط الأجور في القطاع الحكومي إنتاجية العمالة في القطاع الخاص وهذا قد يشير إلى انخفاض إنتاجية الموظف الحكومي مقارنةً بالأجور التي يتقاضاها، ولهذا ينبغي تحسين إنتاجية الموظف الحكومي قبل المطالبة برفع الرواتب. من ناحيةٍ أخرى ستولد زيادة الأجور في القطاع الحكومي ضغوطاً على القطاع الخاص (مؤسسات وأسر) لرفع معدلات أجور العمالة الوطنية والمقيمة التي يحتاج إليها، مما سيدفع بتكاليف إنتاج السلع والخدمات ويولد ضغوطاً تضخمية إضافية. وقد شاهدنا بعد زيادات الرواتب الأخيرة كيف ارتفعت تكاليف العمالة وخصوصاً العمالة المنزلية التي تضاعفت تكاليفها.

*نقلا عن الاقتصادية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات