عاجل

البث المباشر

زين العابدين بري

<p>&nbsp;كاتب سعودي</p>

 كاتب سعودي

هل سعت أيدٍ خفية لرفع سعر البترول إلى 100 دولار؟

مع أنني لست من أنصار نظرية المؤامرة التي يمطرنا بها المحللون السياسيون ومتناولو القضايا السياسية في مجالسهم ومنتدياتهم، إلا أن السوابق والمؤشرات تجعلني أميل في هذه المرة إلى الاعتقاد بأن هناك أيدي خفية سعت إلى رفع سعر برميل النفط الخام إلى 100 دولار أو يزيد. وحيث إن البترول سلعة من السلع، فلا بد أن سعرها يخضع لقوى العرض والطلب، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن هناك قوى مؤثرة تلعب في السوق بطريقة أو أخرى بالشكل الذي يجعل السعر أقل تأثرا بقوى العرض والطلب وأكثر استجابة لتأثير هذه القوى. في فترة من الفترات اتهمت أوبك بأنها تقف وراء الارتفاعات المتزايدة في أسعار البترول، وذلك في الفترة التي تلت حرب أكتوبر في عام 1973.

أسعار البترول كانت تتمركز حول ثلاثة دولارات ونصف الدولار للبرميل قبل بدء الحرب، ووصلت إلى ما يزيد على 45 دولارا للبرميل في أثناء الحرب نتيجة للحظر الذي فرضته الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية على تصدير البترول على بعض الدول المساندة لإسرائيل في تلك الحرب وأخص بالذكر الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا.

بقيت تلك الأسعار مرتفعة تتمركز حول الـ 30 دولارا للبرميل لفترة طويلة من الزمن ولمدة تصل إلى عشر سنوات، واتهمت خلالها أوبك بأنها منظمة احتكارية (كارتيل) تؤثر في قوى العرض من أجل الإبقاء على أسعار البترول عالية قدر المستطاع. ولم تفلح الدول الغربية طوال تلك الفترة في إيجاد بدائل للبترول إلا بنسبة بسيطة لا تعطيها الادعاء بالاستقلالية التامة أو شبه التامة التي كانت تسعى إليها على الرغم من المحاولات المستميتة لإدخال وسائل بديلة للطاقة.

في المقابل، لم تستطع منظمة الأوبك المحافظة على السعر العالي للبرميل الذي ظلت تنشده لمدة طويلة من الزمن، والذي حقق لبعضها طفرات اقتصادية ما كانت لتحدث لولا إرادة الله ثم نعمة البترول. انخفض سعر البترول إلى ما دون تسعة دولارات للبرميل، واستمر كذلك فترة طويلة من الزمن، مما أدخل أكبر الدول المصدرة للنفط في مديونية كبيرة نتيجة لارتباطها بمشاريع بنيت على أساس سعر عال للبرميل. ثم جاءت حرب الخليج الثانية وارتفع سعر البترول على أثرها ولكن تدريجيا.

ولكن ما الذي قادني إلى التفكير في أن هناك أيدي خفية لعبت أخيرا في أسعار البترول ليصل إلى سعره الحالي الذي يزيد على الـ 100 دولار للبرميل. الأسعار ترتفع من 17 دولارا للبرميل إلى أن تستقر في الثلاثينيات ثم تقفز فجأة إلى ما يزيد على 75 دولارا للبرميل ثم تهوي مرة أخرى إلى 35 ثم تجد إصرارا على إرجاعها إلى ما يزيد على 75 دولارا للبرميل، ثم تثبت حول الـ 100 دولار للبرميل.

حدث هذا على الرغم من أن إمداد العراق قد عوض ومع أن إنتاج إيران قد عوض وعلى الرغم من التأكيدات المتتالية للأوبك أن العرض يساوي الطلب، وعلى الرغم من تأكيد أكبر منتج ومصدر أنه لن يكون هناك نقص في الإمداد، ألقيت الملامة على المضاربات ولم تعد ''أوبك'' هدفا للنقد والادعاءات. بعد هذا كله نكتشف أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى فعلا ويصرح رئيسها على الملأ بأنها ستكون مستقلة من ناحية الحصول على الطاقة، وأن إنتاجها سيتخطى وفي مدة قصيرة إنتاج المملكة العربية السعودية لتكون من الناحية الفعلية المنتج الأكبر في العالم. وبعدها أيضا نكتشف أن السعر المجدي اقتصاديا لإنتاج البرميل أو ما يكافئه من الزيت الصخري يتمركز حول 100 دولار للبرميل. هل ما سبق يعني أن هناك تعمدا، وأن هناك قوى وأيدي خفية دفعت بسعر البرميل إلى هذا الحد.

التجربة تقول إنه وقبل حرب 1973 مباشرة دفعت الأسعار إلى أعلى بفعل فاعل، واتهم وزير خارجية الرئيس نيكسون وهو هنري كسنجر بلعب دور مهم في ذلك، وقد كنت أحضر العديد من المؤتمرات العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، وكنت أسمع ذلك من قوم كسنجر. ولكن ما الذي يجعل كسنجر يقوم بذلك. كان شاه إيران هو الحليف القوي للولايات المتحدة في المنطقة وذلك في أيام الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي آنذاك. وكانت الولايات المتحدة تخشى دائماً وأبدا من اندفاع القوات الروسية القريبة جداً من المنطقة إلى منابع النفط في الخليج والطريق الأقرب هو إيران. وكان قرار تسليح إيران بأفضل المعدات العسكرية والمقاتلات الجوية هدفا استراتجيا للولايات المتحدة حتى تعطل إيران مثل هذا الاندفاع ولو إلى الوقت الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة التواجد السريع للدفاع عن مصالحها. وكان لا بد للشاه أن يمول صفقاته العسكرية عن طريق إيرادات البترول، ولا بديل عن رفع أسعاره بأي طريقة حتى لو كان بثمن. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أعاد التاريخ نفسه مرة أخرى وبطريقة أخرى؟

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة