أمريكا والتحول الكبير في صناعة الغاز الطبيعي.. من الاستيراد إلى التصدير

سليمان الخطاف

نشر في: آخر تحديث:

إن التطور الكبير في تقنيات الحفر الأفقي وتفتيت الصخور لاستخراج الغاز والزيت مكّن أمريكا من أن تكون لاعبا رئيسا في عالم الطاقة، فبعد أن كانت مستوردا رئيسا للغاز الطبيعي والنفط ها هي الآن في طريقها للاكتفاء الذاتي من الطاقة الأحفورية، بل وتصديرها إلى أوروبا وآسيا.

وارتفع احتياطي أمريكا من الغاز الطبيعي بأكثر من 60 في المائة في عشر سنوات (انظر الشكل 1)، وشكل الغاز الصخري نسبة 38 في المائة من إنتاج الغاز الطبيعي الإجمالي الحالي لأمريكا.

وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي في أمريكا نتيجة لهذه الوفرة في الاحتياطيات وفي الإنتاج، ورافق هذا الانخفاض ارتفاع في الأسعار العالمية، حيث سجلت أسعار الغاز المسال في عام 2012م متوسط 17 دولارا للمليون وحدة مقابل 4 دولارات في أمريكا، لهذا فإن أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة تعد الأقل في العالم الصناعي.

من أجل هذا، اتجهت أنظار شركات إنتاج الغاز في أمريكا لتصدير الوفرة من الغاز إلى أوروبا وشرق آسيا، ولهذه الأسباب بدأت الأسعار ترتفع في عام 2013م، مقارنة بالعام الماضي.

وتقدم إلى الآن للحكومة الأمريكية 23 طلبا لشركات تعتزم إقامة مشاريع تصدير للغاز المسال بغرض الموافقة لهم بالتصدير، وتبلغ الطاقة الإجمالية لهذه المشاريع 300 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يعادل 200 مليون طن سنويا من الغاز المسال، أي أنها لو نفذت فسوف تتعدى الجميع بإنتاج وتصدير الغاز المسال.

ولقد سمحت الحكومة الأمريكية إلى الآن لأربع شركات بتصدير الغاز المسال إلى أوروبا وشرق آسيا، وغالبا ما سيبدأ التصدير في عام 2015م، ويعرض الجدول قائمة أسماء الشركات والكمية المسموح بتصديرها.

وتصل القيمة الكلية للغاز المسال المسموح بها إلى الآن 6.37 مليار قدم مكعبة يوميا، والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة أنتجت نحو 66 مليار قدم مكعبة يوميا في عام 2012م، وبهذا تكون وزارة الطاقة الأمريكية قد سمحت بتصدير نحو 10 في المائة من الإنتاج اليومي الأمريكي، وذلك بغرض تحسين الأسعار والسماح لشركات التنقيب والاستخراج بالتوسع وتحقيق الربحية المقبولة.

ويتوقع المراقبون أن يرتفع سعر الغاز الطبيعي بأمريكا إلى 6 دولارات للمليون وحدة حرارية في حالة تصدير 16 مليار قدم مكعبة يوميا، لكن في نفس الوقت يجب الإشارة إلى المعارضة المتزايدة لتصدير الغاز المسال في أمريكا.

فأصحاب البيئة يعتقدون أن إنتاج الغاز الصخري يضر بالبيئة، وأصحاب الصناعات الكيماوية يعتقدون بأنه من الأفضل أن يبقى الغاز بأمريكا، وأن على أمريكا أن تقوم بتصدير المنتجات البلاستيكية والميثانول والأسمدة وغيرها، وهذا ما قاله السيد ليفرس رئيس شركة "داو كميكال".

وستُصدِّر أمريكا الغاز المسال في عام 2015م، وأفضل ما يشرح الواقع هو ما حصل للمنصات التي تم تصميمها بغرض استيراد الغاز المسال، إذ إن هذه المنصات قد جرى تعديلها من منصات استيراد لتصبح منصات تصدير، ولم يكن أحد يتوقع هذا قبل ثورة الغاز الصخري.

ولا شك أن الكميات الأمريكية التي ستُصدَّر من الغاز المسال ستؤدي إلى انخفاض أسعار الغاز المسال العالمية، لكن تبقى قيمة هذه الكميات أحد الأسئلة المحيرة، ولفهم الموقف لا بد من الرجوع إلى السوق العالمي للغاز المسال.

استهلك العالم في عام 2012م نحو 240 مليون طن من الغاز المسال، ومن المتوقع أن يرتفع الاستهلاك في عام 2030م إلى 550 مليون طن، وهذا يعني أن الاستهلاك العالمي سيتضاعف في ظرف 17 سنة.

ولو سمح لكل المشاريع المقدمة للموافقة في أمريكا بالتصدير، فهذا سيعني أن نحو 200 مليون طن من الغاز المسال سيأتي فقط من أمريكا، ولو تم هذا فسيحدث بالتأكيد أثرا كبيرا على أمريكا واقتصادها، وعلى تجارة الغاز المسال المنتعشة في العالم.

يُذكر أن أستراليا تشهد حاليا أكبر التوسعات العالمية في صناعة الغاز المسال، وما يدعو للدهشة أن المشاريع الأسترالية لإنتاج الغاز المسال باهظة التكلفة، إذ وصلت قيمة الاستثمار لإنتاج طن من الغاز المسال في أستراليا إلى 2500 دولار، بينما هذه التكلفة وصلت إلى 700 دولار فقط للاستثمار في إنتاج طن غاز مسال في الولايات المتحدة، وهذا ما جعل أمريكا جاذبة للاستثمار.

لهذا، تقدمت معظم الشركات العالمية أو تفكر جديا بالاستثمار في الغاز الصخري الأمريكي، أما من ناحية اللقيم فكل طن غاز مسال يحتوى على نحو 48 مليون وحدة حرارية من الغاز الطبيعي.

وإذا تم حساب قيمة الغاز الطبيعي في أمريكا بسعر أربعة دولارات للمليون وحدة حرارية، فهذا يعني أن كل طن غاز مسال يحتاج إلى لقيم بسعر 193 دولارا، ويباع هذا الطن في كوريا واليابان بسعر 800 دولار.

إذاً، هناك فرق كبير بين سعر اللقيم الأمريكي والغاز المسال في آسيا، ما يجعل صناعة الغاز المسال وتصديره في أمريكا قادمة لا محالة، ولن يستطيع أحد إيقافها، فهي قادمة بحكم الأمر الواقع والاقتصاد الحر، الذي يخضع للعرض والطلب والربح الأكثر.

ويوجد حاليا جدل كبير في أمريكا بين الشركات المنتجة للغاز الصخري، التي تأمل بتسييله وتصديره إلى أوروبا وآسيا؛ ومنتجي البتروكيماويات والأسمدة الذين يريدون أن يبقى الغاز الرخيص كلقيم للصناعات البتروكيماوية والأسمدة في أمريكا، ويعارضون بشدة سياسة تصديره، لأن ذلك من شأنه أن يرفع عليهم الأسعار.

وللمقارنة بين صناعة الغاز المسال مع صناعة الميثانول (كمثال للصناعات البتروكيماوية) في أمريكا، أجريت هذه الدراسة البسيطة.

كل طن ميثانول يحتاج إلى نحو 35 مليون وحدة حرارية، وسيربح بحسب سعر الغاز الطبيعي بأمريكا حاليا (أربعة دولارات للمليون وحدة حرارية) نحو 200 دولار، وبالتقسيم على 35، تظهر ربحية المليون وحدة حرارية، وهي تتراوح بين خمسة وستة دولارات.

أما بالنسبة للغاز المسال، فإن الطن يحتوى على 48 مليون وحدة بسعر أربعة دولارات للوحدة، وهذا يعني أن سعر الغاز الطبيعي المُكوِّن لطن غاز مسال نحو 200 دولار، وبهذا تصبح ربحية الطن من الغاز المسال في أمريكا (800 - 200 = 600 دولار).

وبخصم قيمة الشحن والتأمين والتكاليف التشغيلية، تصبح ربحية الطن على أقل تقدير نحو 500 دولار، أو أن ربحية المليون وحدة المستخدمة في صناعة الغاز المسال 500/48 = نحو عشرة دولارات، كما يعرض شكل 2.

وهذا يفسر لماذا هذا الإقدام والإصرار على تصدير الغاز المسال بدلا من تصنيعه إلى ميثانول وأسمدة، أي أن ربحية تصدير الغاز المسال قد تصل إلى ضعف ربحية صناعة الميثانول.

باختصار، يبحث صُنّاع البتروكيماويات والأسمدة في أمريكا عن مصلحتهم فقط، وهذا أمر طبيعي فهم يأملون بمنع التصدير حتى يبقى سعر الغاز الطبيعي بين ثلاثة وأربعة دولارات للمليون وحدة، وهذا قد يعطي الشركات المنتجة للغاز الصخري دولارا أو دولارين ربحا لكل مليون وحدة، بينما يُعطي صناع البتروكيماويات والأسمدة ربحا يتراوح بين خمسة وستة دولارات للمليون وحدة حرارية.

لكن في حالة التصدير، ستكسب الشركات المنتجة والمسيلة للغاز ما يتراوح بين تسعة وعشرة دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهذا سينعكس سلبا على الشركات البتروكيماوية، لأنه سيزيد أسعار الغاز الطبيعي بأمريكا.

لم يكن هذا الصراع من قبل بهذه الحدة، لأن صناعة الغاز المسال لم تزدهر إلا حديثا، ولم يكن عندئذ أمام منتجي الغاز الطبيعي من خيارات كثيرة.

إنه فعلا تحد جديد ظهر للوجود بين منتجي الغاز الطبيعي ومنتجي البتروكيماويات والأسمدة، وقد يتكرر هذا المشهد في مناطق ودول متعددة في العالم.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.