عاجل

البث المباشر

انعكاسات إجراءات تصحيح سوق العمل

في هذه الأيام القليلة التي تنتهي معها مهلة تصحيح وضع سوق العمل من القوى العاملة المخالفة، وبالتأكيد ستشهد سوق العمل مجموعة من المتغيرات التي تؤثر فيها، والحقيقة أنه رغم أن معظم القوى العاملة سيستمر عملها في المملكة إلا أن هناك انعكاسات إيجابية وسلبية على سوق العمل، المدهش في الأمر أنه بحسب ما جاء في صحيفة "الاقتصادية" في يوم الأربعاء 18 من ذي الحجة 1434هـ. الموافق 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2013 العدد 7317 عن وكيل وزارة العمل للشؤون العمالية الدكتور أحمد الحميد أن إنهاء الوزارة تغيير مهنة 1.958 مليون عامل ونقل خدمات 2.087 مليون عامل منذ بداية الحملة، مما يعني أنه يوجد بيننا أربعة ملايين عامل مخالف يؤدون كثيرا من الأعمال اليومية، وهذه الأعداد تراكمت نتيجة لوجود مخالفات من البعض شهدتها الفترة الماضية في سوق العمل، حتى أصبح البعض منهم يعيش ويعمل دون تجديد الإقامة، والآخر يعمل في غير المجال الذي تم استقدامه لأجله، وثالث يعمل لدى غير كفيله ولا يربطه به إلا الأتاوة التي يدفعها له في نهاية كل عام لتجديد الإقامة له.

لا شك أن العمل الذي تقوم بها الجهات ذات العلاقة جبار ويستحق الشكر، وهو يحقق انتظاما للحياة في المجتمع فمن يقيم في هذه البلاد دون نظام، فالمتوقع أن يمارس مخالفات أخرى أياً كان نوعها في المجتمع، والحوادث التي تطالعنا بها الصحف بصورة يومية عن كثير من المخالفات التي تقوم بها بعض القوى العاملة المخالفة شاهد على ذلك.

هذه الفترة التصحيحية كانت لها آثار إيجابية؛ فيمكن الآن معرفة حجم القوى العاملة الأجنبية ومعرفة مكانها والجهة التي ترتبط بها، وعند حدوث أي مشكلة سيبقى أن هناك مرجعا من خلال مؤسسة قائمة في السوق، إضافة إلى أنه من المتوقع أن تكون هناك مغادرة لكثير من القوى العاملة التي لا تحتاجها السوق التي تعتبر عبئا على سوق العمل والاقتصاد بصورة عامة، إضافة إلى أنه من الأمور التي لم تكن متوقعة زيادة الطلب على التأمين الصحي، حيث إن تصحيح أوضاع هذه العمالة يتطلب التأمين عليهم صحيا، وهذا سيخفف من حجم الطلب على الخدمات الصحية الحكومية، التي غالبا ما يلجأ إليها العامل في حال أصيب بمرض أو حادثة، وقد يزيد من نشاط المستوصفات الأهلية خصوصا في المدن غير الرئيسة.

ولكن في الوقت نفسه هناك مجموعة من التحديات التي يمكن أن تواجه سوق العمل، فالقوى العاملة التي تبحث عن طريقة مناسبة لتصحيح أوضاعها فوجئت بأنها الآن وقعت في أيدي مؤسسات أشد جشعا من كفلائهم السابقين، إذ بدأ بعض المؤسسات يطلب مبالغ مالية عالية لترضى بأن ينضم إليها العامل، وقد تصل إلى أكثر من عشرة آلاف ريال، ومن ثم تطلب مبلغا ماليا عن كل عقد يبرمه مع أي عميل دون أن يكون لها أي التزام فعليّ تجاه هذا العامل، وهذا بالتالي انعكس على الأسعار وتكلفة الخدمات، خصوصا في مختلف المجالات، وهذا بالتالي سيكون على حساب المواطن الذي يريد أن يحصل على هذه الخدمات، إضافة إلى أنه يكلف مجموعة القوى العاملة بدفع راتب مواطن مقابل أن يبقى سجلهم في النطاق الأخضر دون أن تكون هناك حاجة فعليّة لتوظيف المواطن، وهذا ما نشط حالة من التوطين الوهمي لبعض الأعمال التي تنعكس بصورة سلبية على برنامج التوطين الذي يسعى فعليا إلى إتاحة فرص العمل للمواطن وزيادة إنتاجيته، وتوفير فرص دخل مناسبة له.

لا أظن أن الجهات ذات العلاقة خصوصا وزارة العمل تغفل عن هذا الأمر، وبالتأكيد هي تعمل على تصحيح شامل لسوق العمل بما يخدم مصلحة الوطن ويعزز من كفاءة الاقتصاد الوطني، وفي هذه المرحلة آمل أن تكون لدى الوزارة دراسة لمسألة الإلزام بكفيل للقوى العاملة التي تحتاج إليها السوق، حيث إن واقع الحال يشهد بعض المخالفات وأخذا لمكاسب هذه القوى العاملة بغير وجه حق، وهي بالتالي تحمل المواطن الذي يحتاج لخدماتهم التكلفة، كما أنها لن تجعل حجم العمالة يعكس واقع حاجة سوق العمل، إذ إن بعض المؤسسات ستستمر في كفالة المزيد من القوى العاملة بقدر ما يقدمون لها من مبالغ سنويا دون النظر إلى حجم حاجة العمل الحقيقية لديها، وهذا سيزيد أعدادها في السوق دون حاجة أو بما يؤثر على فرص المواطنين، وسنجد استمرارا لحالة التستر التجاري ولكن بلاعبين جدد.

كما أنه من المهم أن تكون هناك خطة لاستمرار عملية التصحيح والمتابعة، فقد بدأت الجوازات سابقا بهذا البرنامج ثم توقفت فأصبح الحال أسوأ من ذي قبل.

الخلاصة، أن عملية تصحيح وضع القوى العاملة أمر مهم للمجتمع مهما كانت سلبياته، ولكن من المهم في هذه المرحلة إعادة النظر في نظام الكفالة، حيث إن حملة التصحيح لن تمنع من التستر التجاري ولا من أن يستغل البعض حاجة القوى العاملة لكفالتهم بمقابل، إضافة إلى احتمال استمرار التوطين الوهمي، ووجود قوى عاملة تزيد على الحاجة الفعلية لسوق العمل.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة