هل آن أوان فك ارتباط الريال بالدولار؟

عبد الله صادق دحلان

عبد الله صادق دحلان

نشر في: آخر تحديث:

التركيبة الاقتصادية العالمية ـ بما فيها الولايات المتحدة ـ متغيرة ولن تصبح الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط، وقد تكون أكبر منافس لدول الأوبك في تصدير البترول والغاز في السنوات العشر المقبلة.

قبل سنوات، حذر محافظ بنك الشعب الصيني من أن الدور الذي يلعبه الدولار بوصفه العملة الاحتياطية الدولية الرئيسة، لم يعد يصب في مصلحة الاقتصاد العالمي، ولا مصلحة الولايات المتحدة ذاتها. ففي أي اقتصاد عالمي في طريقه للنمو والتطور معتمداً في احتياطاته على العملة الصعبة (الدولار)، ومحاولاً الحفاظ على فوائض دخله وميزانيته في استثمارات أمينة على المدى الطويل، يلجأ صناع القرار فيه إلى وضع الفوائض في سندات الحكومة الأميركية اعتقاداً منهم بأنها الأكثر أماناً نظراً للقوة الاقتصادية العظمى والقوى السياسية والعسكرية للولايات المتحدة، وذلك ظناً منهم أن فوائض دخل ميزانيتهم في مأمن من الضياع. وإذا بهم يفاجؤون بأن المكان الآمن تحول إلى فك الأسد الجائع، فلن يستطيع أحد أن يقرب منه حتى لو كان ما في فمه ملكا لغيره.

لقد عاشت الدول المقرضة، وبعض رجال الأعمال والاقتصاد والاستثمار أزمة لمدة أسابيع، نتيجة الخلاف بين الجمهوريين والديموقراطيين في الكونجرس الأميركي، حتى وصل الكونجرس إلى حل مؤقت يضمن عدم انهيار مؤسسات الدولة الفيدرالية وفقدان الثقة في الاقتصاد الأميركي. ورغم أن الحل المؤقت جاء في الساعات الأخيرة، إلا أنه حل محلي يعطي الحكومة الأميركية الحق في رفع سقف الدين لسد العجز، وهو في وجهة نظري حل داخلي، ولكنه غير مقنع للدائنين من خارج الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص الدول المقرضة للولايات المتحدة من خلال سندات الحكومة الأميركية، وبالتحديد حسب المعلومات المعلنة: الصين واليابان أكبر دولتين مقرضتين للولايات المتحدة في العالم حسب المعلومات المتوافرة، أما بقية دول العالم وخاصة، دول الخليج وعلى وجه التحديد المملكة العربية السعودية، فإننا لا نعلم حجم استثماراتها في سندات الحكومة الأميركية، ولا مدة الاستثمار وحجم العائد، وبالتالي لا نعلم ترتيبها في الدول المقرضة.

ومن خلال متابعتي لنمو الاقتصاد الأميركي، والأزمات التي تواجهه، فإنني أخشى على أصل الدين، وأشك في قدرة الولايات المتحدة على سداد ديونها خلال السنوات العشر المقبلة، بل أشك في قدرتها على سداد فوائد الديون. وقد أذهب بعيداً إلى الشك في عدم قدرتها على رفع سقف الدين مستقبلاً، وأخشى أن يفقد المستثمرون من الدول الغنية الثقة في استمرار أو زيادة استثماراتهم في سندات الحكومة الأميركية التي لم تصبح آمنة بسبب الأزمات المالية في الولايات المتحدة.

إن على الدول المقرضة عدم الاعتماد على فوائضها المستثمرة في سندات الحكومة الأميركية في المدى القصير، ولن تستطيع أي دولة في العالم أن تجبر الولايات المتحدة على دفع ديونها حالاً. وقد يُحول الدين إلى سلع أو خدمات عينية مثل: صفقات السلاح، ومعدات قطع الغيار، أو قيمة خدمات أو اتفاقيات حماية، وقد حصل هذا في السابق، وهو درس للدول المقرضة التي اختارت المكان ونوع الاستثمار لفوائض، دخلها وكم من أصوات ارتفعت تعارض استثمار الفوائض في سندات الحكومة الأميركية ذات الفوائد المتدنية جداً، وقد كنت أحد هذه الأصوات، لكن الرد جاء مكمما للأفواه بأننا نبحث عن الأماكن الآمنة لفوائضنا، وكأن الاستثمار في بلادنا غير آمن، ورب ضارة نافعة، ولعل صناع قرار استثمار الفوائض يغيرون وجهة الاستثمار إلى صناديق التنمية في المملكة، وإنشاء مزيد من الصناديق التنموية التي تسهم في خلق المشاريع التنموية التي يحتاجها المجتمع، وتسهم في خلق فرص عمل تؤدي إلى خفض البطالة ونسب الفقر.

إن الأزمات الاقتصادية المالية في الولايات المتحدة تدفعنا إلى إعادة التفكير في سياسة ربط الريال بالدولار، رغم قناعتي بأسباب الربط عبر الخمسين سنة الماضية، وعلى وجه الخصوص ارتباط أكبر مورد دخل لميزانية الدولة بالدولار، نتيجة تصدير البترول للولايات المتحدة مثلا، أو ارتباط معظم صادراتنا ومعظم وارداتنا بالدولار الأميركي، وأن الريال مغطى بالكامل باحتياطات النقد الأجنبي وأن احتياطات المملكة من النقد الأجنبي تكونت من إيرادات النفط ودخل الاستثمارات وليس من الاقتراض الآجل للنقد الأجنب.

وأما قراءتي الشخصية للمستقبل؛ فإن التركيبة الاقتصادية العالمية بما فيها الولايات المتحدة متغيرة ولن تصبح الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط، وقد تكون أكبر منافس لدول الأوبك في تصدير البترول والغاز في السنوات العشر المقبلة، بعد توصل الولايات المتحدة إلى الاكتشافات الجديدة وبتكلفة تجارية لإنتاج البترول والغاز الصخري، وكذلك تسير على نفس السياسة الصين وروسيا وبعض دول أميركا اللاتينية. وقد تتغير بوصلة صادراتنا من البترول لدول آسيا أو أفريقيا، ولن يكون الدولار هو العملة الأساسية في صادراتنا أو وارداتنا. متمنياً ألا يكون اقتصادنا معتمداً اعتماداً أساسياً على صادراتنا من البترول.

إن إعادة طرحي اليوم للتفكير بفك ارتباط الريال بالدولار ليس بالضرورة أن يكون عاجلاً ومتفرداً، وإنما أتمنى أن يكون ذلك تفكير مجموعة دول الخليج بعد إصدار العملة الخليجية الجديدة، وأن يكون ربطها بسلة عملات أجنبية بما فيها الدولار.

*نقلا عن صحيفة الوطن السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.