عاجل

البث المباشر

فهد بن عبد الله الحويماني

<p>عضو جمعية الاقتصاد السعودية</p>

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

التحليل المالي في سطور

في المقالين السابقين تحدثنا عن قائمتي المركز المالي والدخل. هنا نتحدث عن قائمة التدفقات النقدية.

إن الوظيفة الرئيسة لقائمة التدفقات النقدية هي مراقبة الحساب النقدي ومعرفة العمليات التي أثرت فيه خلال الفترة المالية المعنية، وتحديد مصادر التأثيرات، إن كانت تشغيلية أم استثمارية أم تمويلية؟ على سبيل المثال، قد نجد أن شركة أنهت عام 2012 بمبلغ 100 مليون ريال في الحساب النقدي، وبنهاية عام 2013 وجدنا أن الحساب النقدي ارتفع إلى 120 مليون ريال، ومن ثم وجدنا أن التدفقات التشغيلية كانت 40 مليون ريال بالموجب، والتدفقات الاستثمارية سالب 70 مليون ريال، والتدفقات التمويلية 50 مليون ريال بالموجب.

هنا نرى أن أداء الشركة التشغيلي كان جيداً؛ لأنها حققت تدفقا نقديا بمبلغ 40 مليون ريال، وقد يكون ذلك بسبب أن مبيعاتها النقدية ارتفعت، أو أنها تسلمت أرباحا أو فوائد على استثمارات معينة، حيث تعامل مثل هذه التدفقات على أنها تدفقات تشغيلية وليست استثمارية أو تمويلية. وفي الوقت نفسه نجد أن الشركة قامت بشراء معدات أو ممتلكات أو مبان أو شراء استثمارات معينة بمقدار 70 مليون ريال صاف، فسحبت من رصيدها النقدي هذا المبلغ. ولكي تقوم الشركة بموازنة تدفقاتها النقدية، اضطرت إلى إصدار سندات أو طرح أسهم بمقدار 50 مليون ريال تم إيداعها في رصيدها النقدي. إذاً النتيجة النهائية أن الرصيد النقدي للشركة ارتفع بمقدار 20 مليون ريال عن العام الماضي.

هل أداء الحركة النقدية لهذه الشركة جيد؟ وهل نستطيع أخذ الرقم النهائي (موجب 20 مليون ريال) كمؤشر ونكتفي بذلك؟ بل هل يكفي أن ننظر إلى كل جزء على حدة ونقول إن التدفقات التشغيلية 40 مليون ريال والاستثمارية 70 مليون ريال مصروفة، والتمويلية 50 مليون ريال كإيرادات؟ الحقيقة أن هناك بعض النقاط المهمة الواجب أخذها في الاعتبار عندما نقوم بتحليل قائمة التدفقات النقدية، ومنها أن التدفقات التشغيلية معرضة لبعض التلاعبات النظامية وغير النظامية أحياناً، التي من شأنها أن تحسن صورة التدفقات التشغيلية وهي ليست كذلك.

كمثال على ذلك، قامت شركة وورلد كوم للاتصالات في الولايات المتحدة بمعاملة مصروفات تشغيلية كبيرة الحجم على أنها تكاليف رأسمالية يتم إطفاؤها على مدى سنوات طويلة، بدلاً من احتسابها كتكاليف تشغيلية تظهر في الفترة المستحقة، وبذلك ظهرت أرباح الشركة أفضل مما هي عليه فعلياً، وكذلك ظهرت تدفقاتها التشغيلية بشكل أفضل نتيجة إضافة أقساط الاستهلاك لها. كيف يمكن للمستثمر معرفة صحة هذه البيانات قبل الاعتماد عليها؟ الجواب أنه من الصعب جداً معرفة ذلك؛ لأن ذلك من مهام المراجع الداخلي والمحاسب القانوني والجهات الرسمية، غير أن هناك أحياناً مؤشرات تُعين المستثمر الفطن في الانتباه لمثل هذه الحالات، أحد هذه المؤشرات يتم بمقارنة التدفقات التشغيلية للشركة بشركة أخرى مماثلة، لاكتشاف أي تباين لافت للنظر.

على فرض صحة البيانات المالية، وهو الواقع في معظم الحالات، ننظر إلى الجزء الثاني من قائمة التدفقات النقدية، وهو الخاص بالتدفقات الاستثمارية، التي قد تكون كبيرة، أي أن الشركة قامت بالصرف على استثمارات كبيرة وبالتالي تأثر الرصيد النقدي سلباً نتيجة ذلك، غير أن ذلك قد يؤخذ بشكل إيجابي؛ لأن نمو الشركة وتوسع نشاطها يتم من خلال المصروفات الرأسمالية، التي من المفترض أن تكون عوائدها أعلى من تكلفة اقتنائها. وهذا يكون صحيحاً في حالة الشركات التي لديها فرص استثمارية حقيقية تتناسب مع طبيعة عملها وبشكل تكاملي مدروس. أما إذا كانت الاستثمارات مجرد وسيلة لتوظيف النقدية المتوافرة لدى الشركة، وربما بمخاطرة عالية، فهنا يجب على المستثمر تسجيل علامات سلبية في هذا الجانب.

أما التدفقات التمويلية فتأتي نتيجة حاجة الشركة للحصول على النقد لتغطية مختلف الالتزامات، كالمصروفات الرأسمالية المذكورة أعلاه أو لدعم رأس المال العامل - الذي بدوره يؤثر في التدفقات التشغيلية - وتتم من خلال طرح أسهم أو اقتراض. وقد تكون التدفقات التمويلية خارجة من الشركة عندما تقوم بإعادة شراء أسهمها - حالياً غير مسموح بذلك في الشركات السعودية - أو لتسديد ديون قائمة أو لتوزيع أرباح على المساهمين.

إذاً نجد أن هذه التدفقات الثلاثة (التشغيلية والاستثمارية والتمويلية) هي التي تتكون منها قائمة التدفقات النقدية، وعند تحليل هذه البنود يجب مراعاة تغيرها من فصل لآخر ومن عام لآخر لاكتشاف أي تطورات جوهرية في أداء الشركة المالي. على سبيل المثال، عندما تكون التدفقات التشغيلية إيجابية وبنمو مستقر، فإن ذلك يدل على نضوج الشركة واستقرار نموذجها التجاري بشكل يمكن الاعتماد عليه في توقع التدفقات المستقبلية، التي لها تأثير في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها وتوزيع أرباح على مساهميها.

أهمية التدفق النقدي تأتي بالنظر إلى ما يعرف بالتدفق النقدي الحر، الذي هو عبارة عن التدفقات التشغيلية مخصوماً منها الأرباح الموزعة وصافي التكاليف الرأسمالية، والهدف من متابعة هذا العنصر أنه يعبّر عن مقدار النقد المتاح للشركة بعد قيامها بالصرف على جميع مشاريعها وبعد توزيع الأرباح، وهو يعطي دلالة قوية على القوة النقدية للشركة. لاحظ أننا هنا لا ننظر فقط إلى التدفقات التشغيلية، بل نخصم التكاليف الرأسمالية من التدفقات الاستثمارية، ونخصم الأرباح الموزعة من التدفقات التمويلية للوصول إلى هذا المؤشر المهام. يستخدم مؤشر التدفق النقدي الحر لرصد النمو السنوي (أو الفصلي) للتدفق النقدي الحر، الذي يفضل أن ينمو بنسبة أعلى من نمو الأرباح، ويؤخذ كدليل سبّاق لنمو الأرباح، وبالتالي ارتفاع سعر السهم.

ويمكن كذلك قسمة التدفق النقدي الحر على صافي المبيعات لمعرفة مقدار النقد الحر المتحقق مقابل كل ريال مبيعات، ومن ثم مقارنة ذلك بالرقم نفسه في السنوات الماضية، ومقارنته بباقي الشركات، ومنه يمكن استنتاج مدى قدرة المبيعات على تحقيق عوائد نقدية للشركة. وتأتي أهمية التدفق النقدي في إمكانية استخدامه لتقدير القيمة الإجمالية (المعقولة) لأي شركة على أنها ما يعادل خمسة إلى عشرة أضعاف التدفق النقدي الحر السنوي، أو بمعنى آخر أن سعر الشركة مقسوماً على التدفق النقدي الحر يُفضل ألا يتجاوز عشرة أضعاف.

يجب الانتباه كذلك إلى أن بعض الشركات تستخدم بعض الطرق المحاسبية الحذقة لإظهار التدفق النقدي بشكل أفضل مما هو عليه، فتقوم أحياناً بالمماطلة في دفع حساباتها المستحقة لتأخير الدفع نقداً حتى فصل قادم، أو تقوم بتفسير المصروفات الرأسمالية بطرق مختلفة لتقلل من تأثيرها في التدفق النقدي وهكذا. في مقالات قادمة قد تتاح الفرصة لنا لإلقاء الضوء على بعض الأساليب المحاسبية التي تستخدم من قبل بعض الشركات للتلاعب ببياناتها المالية بشكل شبه نظامي لتحسين صورتها أمام المستثمرين.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات