سيمفونيات بعزف منفرد

زكي أبوالسعود

زكي أبوالسعود

نشر في: آخر تحديث:

مضى أسبوعان على ما نشرته الصحف حول تأكيد وزارة الإسكان عدم ممانعتها تحويل الأراضي الزراعية الواقعة ضمن المزارع الخاصة إلى أراضٍ سكنية، تحت حجة أن هذه الأراضي قريبة من الكتلة العمرانية، مشترطة موافقة وزارة البلديات والشؤون القروية وبالتنسيق مع وزارة الزراعة. وحتى الآن لم يتسرب للإعلام أي تصريح أو بلاغ يوضح موقف هاتين الوزارتين من هذا الخبر. وقد يكون في ذلك خيراً، فموافقة كلا الوزارتين وخاصة الزراعة سيتناقض مع أهدافها العامة ومهامها الرئيسة في «المحافظة على الغطاء النباتي» و«تنمية الإنتاجية الزراعية».
إن حماية هذه البقع الزراعية المتناقصة والمتآكلة من عملية التصحر الطبيعية والمتعمدة، قضية وطنية على وزارة الزراعة ألا تساوم عليها، وإنما تضعها في أولويات واجباتها وتذود عنها بكل ما تملك من صلاحيات نابعة من صلب مهامها وأهدافها. فحتى وقت ليس ببعيد.
كانت غابات النخيل والبساتين رئةً خضراء تطوق معظم مدن الواحات، تمدها بعديد من الخضراوات وبعض من الاحتياجات الغدائية اليومية، وتمتص بعضاً من غبار الصحراء الذي لم يعد زائراً صيفياً كما كان.
لقد شكلت، وما زالت، قلة الأراضي السكنية معضلة لهذه المدن والمحافظات، فمساحاتها الأصلية غير قادرة على استيعاب نموها السكاني. ويتعذر على مئات الآلاف من المواطنين العثور على أرض سكنية مناسبة في نطاقها. وفي ظل هذا النقص من الأراضي المهيأة بالمقومات الخدمية والبنيوية التحتية والملاصقة لهذه المحافظات، كانت مزارعها وبساتينها هي الخيار الأسهل لسد هذا العجز، فتم تدمير كثير منها وتحويلها إلى أراضٍ تشمخ فيها المباني الخرسانية بدلاً من غابات النخيل وأشجار الفواكه المحلية، التي لم يبقَ إلا قليلها يقاوم هذا الغزو الخرساني ويبحث عمن ينقذها قبل أن تفنى نهائياً.
تقف وراء هذا التدمير عدة عوامل، من ضمنها التغيرات البنيوية التي لحقت بالتركيبة الطبقية للمجتمع. فمع تنامي أفراد الأسرة وتزايد متطلباتها المعاشية والاستهلاكية لم يعد المردود المالي من مزارعهم كافياً لهم جميعاً، مما حدا بعضهم للعمل في مجالات أخرى ليست زراعية، وفي أماكن بعيدة عن مزارعهم، فأضعف بذلك ارتباطهم بالأرض، ولم يعد جميع الملاك مهتمين بما تجود به الأرض عليهم من عائد زهيد. وهو ما يشكل إحدى مؤشرات تفكك الملكية الإقطاعية وما قبل الإقطاعية للأرض في المملكة؛ حيث الأرض هي الأساس الذي يقوم عليه هذا النمط من العلاقات الإنتاجية. ومن المعروف تاريخياً أن مساحة الحيازات الزراعية في الجزيرة العربية لم تكن شبيهة بما عُرف في البلدان المعتمدة على مياه الأنهر في الري والسقي، فالاعتماد على مياه الأمطار والآبار حدّ من مساحة الأراضي المزروعة والمملوكة ملكية خاصة، أما المراعي فقد كانت ملكية مشاعية لحين قيام الدولة المركزية؛ حيث حولتها إلى أراضٍ حكومية.
لقد حدّت مساحة الأراضي الزراعية من جدوى تقسيمها بين ملاكها المتعددين، فكان بيعها لملاك جدد (غير مزارعين)، الخطوات الأولى في الخلاص منها كأراضٍ زراعية. واستغلت قضية قلة المياه كسبب في عدم إحياء الأرض وتركها مهملة جافة عرضة للحرائق والأمراض الزراعية الفتاكة ليسهل تفكيكها وبيعها كقطع أراضٍ سكنية. ولقد وجدت وزارة البلديات في هذا الوضع مخرجاً مريحاً لعدم إلزام نفسها بتطوير مخططات سكنية في الأراضي الصحراوية المجاورة. ولو فعلت العكس منذ ستينيات القرن الماضي لما بلغت أسعار الأراضي السكنية هذه الأسعار الخيالية ولما تعذر على أغلبية المواطنين اقتناء أرض سكنية كما هو عليه حالياً.
إن الاستجابة للدعوة للقضاء على ما بقي من هذه الأراضي الثمينة تتعارض مع ما يُقال حول الحفاظ على البيئة وتقليل التلوث المتمدد يومياً إلى مدننا وقرانا. وكان حرياً على وزارة الإسكان بدلاً من ذلك، التوجه نحو وزارة الصناعة وجهات حكومية أخرى للمطالبة بنقل المدن الصناعية والمواقع الحكومية ذات المساحات الكبيرة والواقعة ضمن النطاقات العمرانية إلى مواقع جديدة خارج هذه النطاقات؛ حيث إن بقاءها بين الأحياء السكنية يشكل خطراً بيئياً محدقاً بسكانها، وتفريطاً في قيمتها كأراضٍ ملائمة للتعمير الإسكاني أكثر من أي غرض أو استخدام آخر. ولكن كيف يمكن بلوغ ذلك ووزاراتنا الخدمية والإنمائية لا تجيد إلا العزف المنفرد لسيمفونيات ملَّ المواطن من سماعها؟

*نقلا عن الشرق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.