الصغير حتى يكبُر !

إحسان علي بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

في دنيا المال والأعمال المنافسة هي كل شيء، على الرغم من أن أصحاب الأعمال الكبار -إجمالاً- لا يحبون أن ينافسهم أحد، ويجسد ذلك مقولة روكفلر المشهورة: «المنافسة خطيئة». وبطبيعة الحال، فالمتربع في السوق المسيطر على حصة كبيرة منه أو محتكر السوق برمته لن يُرحب ولن يُسهل المنافسة؛ إنطلاقاً من أنها ستضر بوضعه القائم، لكنه بالتأكيد سيرحب بها عندما يتعلق الأمر بدخوله أسواقاً جديدة!

وهناك أمثلة كثيرة عن لاعبين كبار في السوق كانوا يستأثرون بحصة الأسد والنمر مجتمعة، واستبسلوا للحفاظ عليها عبر إحباط وإعاقة دخول أي منافس، وعرقلته إن دخل، والسعي حثيثاً لإخراجه سريعاً، وإن بقي فيحاصره المسيطر على السوق في زاوية تمنع نموه أو تجعل منه عبرة لمن

أعود لأقول إن الاقتصادات النامية كالاقتصاد السعودي أحوج ما تكون لتعزيز وترسيح وحماية المنافسة، وفوق كل ذلك منع الاحتكار، لاسيما أن سوقنا كبيرة وواعدة

يعتبر! والشواهد أمامنا في سوقنا السعودي أكثر من أن تحصى لمؤسسات وشركات لها حصة كبيرة من السوق المحلية، بل ان بعضها له حصة مؤثرة في مجموعة من السلع والخدمات مركزة في قطاع أو اثنين ليصبح هو صانع السوق فيها؛ فهو من يملي السعر ويحدد اتجاهات العرض. وقد اتخذت الحكومة عدة خطوات لتعزيز المنافسة لا يتسع المجال لذكرها، ولعل أبرزها إصدار نظام لحماية المنافسة وانشاء مجلس لحماية المنافسة، الذي صدر مؤخراً قرار مجلس الوزراء بتعديل اسمه ليصبح «مجلس المنافسة» يتمتع بالاستقلال المالي والاداري وبصلاحيات واسعة. أعود لأقول إن الاقتصادات النامية كالاقتصاد السعودي أحوج ما تكون لتعزيز وترسيح وحماية المنافسة، وفوق كل ذلك منع الاحتكار، لاسيما أن سوقنا كبيرة وواعدة، واقتصادنا هو الأكبر في المنطقة، ويحظى بإنفاق جاري ورأسمالي قياسيين من الحكومة،

وضخ استثماري متنامٍ من القطاع الخاص، فضلاً عن أن المجلس الاقتصادي الأعلى كان قد أقرّ منذ سنوات طويلة استراتيجية الخصخصة لكن خطوات تنفيذها متمهلة، وليس أدل على ذلك من أن خطوطنا السعودية لم تخصص حتى الآن رغم أن القرار التنفيذي لخصخصتها (رقم 1/27) صدر في العام 1427هـ، والقرار أقدم بالنسبة لشركة الكهرباء. والأمر لا يتعلق بخصخصة هاتين المؤسستين الحكوميتين تحديداً بل يتصل بإعادة هيكلة السوق بما يمنع الاحتكار ويشجع المنافسة، وهذا لن يتحقق إلا بمبادرات كبيرة، وبجدول زمني متحفز.

قد يقول قائل: إن السوق منفتحة وإن المؤسستين المشار إليهما تسيران في خطوات الخصخصة وفقاً لخطط زمنية محددة. لن أجادل، بل أتساءل: ما الموقف من حصة شركات الطيران المحلية من سوقنا المحلية؟ وما الموقف من حصتها في دول مجلس التعاون؟ حديثي هنا عن المنافسة وليس عن الخصخصة، والمنافسة هي نقيض الاحتكار، وأحياناً تبقى الأسواق محتكرة حفاظاً على وضع متفرد لمؤسسة أو لعدم الارتياح لتغيير ما هو معتاد، وبذلك تبقى تلبية الطلب وجودة الخدمة تحت رحمة ما تعرضه تلك المؤسسة، وما تقرره من أسعار فيعاني الجميع؟ ولتحريك المياه الراكدة، فلعل من المناسب تعديل اسم «مجلس المنافسة» إلى «مجلس المنافسة ومنع الاحتكار».

*نقلا عن اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.