حماية مستهلك أم حماية منافسة

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

في خبر فريد من نوعه، جديد على الاقتصاد السعودي تم تغريم عدد من تجار الأرز 40 مليون ريال وذلك لانتهاكهم نصوص نظام حماية المنافسة والاتفاق على رفع الأسعار، ولأن هذه العقوبة جديدة على الاقتصاد السعودي ولأنها نشرت على أساس الاتفاق على رفع الأسعار، فقد نسي الإعلام – في جميع القنوات والصحف التي قرأت الخبر فيها - أنها قضية حماية منافسة وليست قضية حماية مستهلك. والخلط الثاني ظهر في أن البعض نسب هذا الإنجاز إلى وزارة التجارة وليس مجلس حماية المنافسة، على أساس أن وزير التجارة هو الذي صرح بالخبر، لكن هذا تم على أساس أنه رئيس مجلس إدارة مجلس حماية المنافسة وليس على أساس أن الموضوع يخص وزارة التجارة.

وبلا شك فإن جهود الوزارة ووزير التجارة واضحة أيضا حتى في التوجهات الحديثة لمجلس المنافسة وما صدر من أنظمة لتطويره، التي بدأت ثمارها تظهر في مثل هذا الخبر، وكل هذا سيصب في مصلحة الاقتصاد والمواطن السعودي في نهاية المطاف. لكن هنا أريد أن أحرر المعنى، ولماذا تصدى مجلس حماية المنافسة لهذه المحاولات بدلا من حماية المستهلك في وزارة التجارة، فالقضية في النهاية (في نظر الناس والإعلام) هي قضية رفع أسعار.

يهدف نظام حماية المنافسة إلى تحقيق المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة الممارسات الاحتكارية التي تؤثر في المنافسة المشروعة. ونص النظام في مادته الرابعة على أن تحظر الممارسات أو الاتفاقيات أو العقود بين المنشآت المتنافسة أو تلك التي من المحتمل أن تكون متنافسة، سواء أكانت العقود مكتوبة أو شفهية، صريحةً كانت أم ضمنية، إذا كان الهدف من هذه الممارسات أو الاتفاقيات أو العقود أو الأثر المترتب عليها تقييد التجارة أو الإخلال بالمنافسة بين المنشآت. كذلك يحظر على المنشأة أو المنشآت التي تتمتع بوضع مهيمن، أي ممارسة تحد من المنافسة بين المنشآت، وفقاً للشروط والضوابط المبينة في اللائحة، وذُكر عددٌ من الحالات ومنها ''التحكم في أسعار السلع والخدمات المعدة للبيع بالزيادة أو الخفض، أو التثبيت، أو بأي صورة أخرى تضر المنافسة المشروعة''، فالنظام واضح في أنه يحمي المنافسة بين التجار، وأي إجراء أو تعاون بين التجار يهدف إلى خلخلة هذه التنافسية أو منع آخرين من دخول السوق والمنافسة فيها فيجب أن يتصدى المجلس لهم. لكن إذا كانت هذه القضية هي قضية اتفاق بين التجار أنفسهم وليس على إخراج البعض بل على رفع الأسعار، فما علاقة ذلك بالمنافسة بينهم؟

السؤال بهذا الشكل غير صحيح والسؤال يجب أن يكون على صيغة لماذا نهتم بالمنافسة؟ لأنها هي الوحيدة التي تضمن سلامة الأسعار ومن ثم الاقتصاد وفقا لآليات العرض والطلب. يجب أن تكون الأسعار نتيجة العرض والطلب فقط، وليس نتيجة لأي أمر آخر، ومن ذلك الاحتكار أو الاتفاقيات الاحتكارية بين التجار. وهذا ما حصل في قضية الأرز، لقد وصل تجار الأرز في عددهم إلى درجة تمكّنهم من الجلوس معا على طاولة واحدة والاتفاق على الأسعار، وهذا يسمى في الاقتصاد احتكار القلة. فهم قليل، ومتفقون ومتعاونون من أجل السيطرة على السوق وفرض الأسعار على الناس والضغط على الدولة من أجل الحصول على الدعم لخفض الأسعار مرة أخرى، وهكذا تتعاظم ثرواتهم على حساب المجتمع من دون بذل أي جهد حقيقي سوى الجلوس على طاولة والاتفاق على أمر ما.

لقد كتبت هنا في الاقتصادية الكثير من المقالات حول هذا الموضوع بالذات، وقلت إن حركة الأسعار تشير بلا شك إلى وجود اتفاقيات بين التجار، وهاجمت وحذرت من أن تتفاقم هذه الظاهرة التي بدأت بشركات الحديد والأسمنت والألبان قبل سنوات، ثم انتقلت إلى شركات المشروبات الغازية وشركات الأرز وشركات حليب الأطفال، وقلت يجب أن نعود إلى منبع رفع الأسعار وأن نصحح الموضوع من هناك، يجب ألا ننظر إلى المنافسة على أساس عدد محال بيع التجزئة التي ينعدم فيها الاحتكار، لكن المنبع احتكاري وهو من يفرض على الجميع أسعاره. إن محاربة لاحتكار، أو بمعنى آخر، حماية المنافسة هي جزء لا يتجزأ من حماية الاقتصاد وحماية المستهلك، ولهذا كان من الطبيعي أن يرأس وزير التجارة مجلس إدارة حماية المنافسة.

هناك قضية تشغل تفكيري، ولعلها تشغل تفكير الكثير غيري، ما أثر خمسة ملايين ريال على كل مخالف للنظام؟ نعم النظام أقر بأنه إذا عاد المخالف إلى المخالفة يجوز رفعها، لكن القضية لم تزل مرفوعة أمام ديوان المظالم، وهنا كم من الوقت ستأخذ، ولا نعرف حجم الأدلة التي جمعها المجلس لإثبات الاتفاق الاحتكاري الموجب للغرامة، لا نعرف حتى يصدر حكم الديوان، ولا نعرف هل تم إيقاف هذه الشركات عن البيع بالسعر والحجم المعلن أم لا، وهل تم تعديل الأسعار أم لا، وهل يمكن للمجلس الفوز بأدلة دامغة في قضايا أخرى؟ ذلك أن إثبات انتهاك نظام حماية المنافسة، أمر يبدو لي صعبا. في المقابل نجد مجلسا ولو جزئيا اكتشف وجود احتكار قلة في السوق، وهنا يجب أن تتعاون وزارة التجارة مع مجلس الحماية، من أجل فك هذه الاحتكارات وتشجيع دخول هذه السوق من خلال توجيه الشباب إلى هذه الصناعة ودخولها بقوة إعداد برنامج للدعم، أو من خلال تفتيت هذه الشركات وإجبارها على التحول إلى شركات مساهمة عامة لديها مجالس إدارات منتخبة. كل هذه الإجراءات ستضمن حماية المنافسة، وليس فقط فرض الغرامات.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.