تغيير النظرة إلى الثروة "الناضبة"

عثمان الخويطر

نشر في: آخر تحديث:

لعل من الظواهر التي تلفت أنظارنا خلال السنوات القليلة الماضية تعاقب نمو الميزانية العامة للدولة عاما بعد عام، وذلك من فضل الله الذي منحنا هذه الثروة النفطية المباركة. وهو أمر رغم إيجابيته ظاهريًّا إلا أن له عواقب مستقبلية قد لا تكون سارة، وسوف نتحملها عندما يتغير الوضع وينعكس اتجاه الدخل العام، نتيجة لتغير الظروف غير الطبيعية التي كانت تؤدي إلى ارتفاعه.

فقد قفز حجم الميزانية من 470 مليار ريال في عام 2010 "مقدار المصروفات الفعلية ارتفع إلى 550 مليار ريال" إلى 855 مليار ريال في ميزانية العام المقبل 2014. أي بنسبة ارتفاع لا تقل عن 82 في المائة.

وليس سرًّا أن ما لا يقل عن 90 في المائة من دخلنا القومي الذي يغذي الميزانية العامة للدولة يأتي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من الإنتاج النفطي. وهنا تكمن الخطورة، فعلى الرغم من ثقتنا الكبيرة في أن المواد الهيدروكربونية سوف تظل مهيمنة على ساحة مصادر الطاقة خلال العقود القادمة ودورها البارز في الصناعة البتروكيماوية، إلا أنه لا شيء يضمن عدم حدوث شيء من نوائب الدهر، وسمها ما شئت.

ولكن الشيء المؤكد هو أن هذه الثروة النفطية التي هي المصدر الرئيس للميزانية، مهما كبُر حجمها وطال عمرها، فهي ناضبة في يوم ما. وسيبدأ نضوبها بنزول في الدخل عندما تهرم الحقول، وبعضها قد دخل فعلاً مرحلة الشيخوخة، وينخفض الإنتاج إلى مستويات لا تفي بمتطلبات الصرف العام. وكلما كان حجم الميزانية العامة كبيرا كلما كان تأثير الانخفاض في الدخل عليها مؤثرًا بدرجة أكبر. مع العلم بأن ذلك سوف يكون متزامنًا مع النمو الهائل لعدد السكان، مقارنة بالوضع الحاضر.

هذا على اعتبار استمرار اعتماد ميزانية الدولة على المداخيل النفطية والغياب شبه التام لأي مصادر جديدة للدخل لا علاقة لها بالإنتاج النفطي، وهو أحد أهداف خططنا التنموية المستقبلية الذي استعصى علينا تحقيقه رغم كل الجهود التي تُبذل في سبيل ذلك والنيات الطيبة.

والرغبة من الطرف الحكومي ومن القطاع الخاص في تنويع مصادر الدخل القومي، لم تؤت ثمارها مع شديد الأسف رغم مرور أكثر من 40 عاماً من بدء التخطيط والمحاولة.

ونود أن نؤكد أن الوضع الحالي المتمثل في ضخامة الدخل النفطي الذي يفيض عن حاجتنا المعيشية والتنموية لن يساعد كثيرًا على توفير بيئة مناسبة تدفع المواطن للعمل الجاد والإنتاج المثمر. ولا بدَّ من تغيير نظرتنا إلى هذه الثروة الناضبة مهما كان حجمها وطول بقائها، بحيث لا يكون هدفنا استغلال سهولة إنتاجها وزيادة الطلب عليها. وأهم من ذلك كله، ألا نبرر لأنفسنا رفع كمية الإنتاج إلى مستويات قياسية على اعتبار احتمالية اكتشاف مزيد من الاحتياطيات النفطية الإضافية، وهو أمر مشكوك في تحقيقه.

المبالغ المتوفرة بين أيدينا اليوم، سواء من الميزانية العامة أو من فوائض الدخل، كبيرة جدا ولا ينقصها إلا حسن الإدارة وكفاءة الأداء. وللمشاريع التنموية السنوية في الميزانية نصيب وافر قد يصل إلى ما يقارب 300 مليار ريال. وهو مبلغ ضخم بكل المقاييس. ولكننا لا نرى لذلك أثرًا بينا للمردود الاقتصادي ولا على توطين التقنية وتوظيف المواطنين.

فمشاريع الدولة بحاجة إلى أجهزة متخصصة تديرها أيادٍ وطنية مخلصة ومدربة تقوم بتنفيذ المشاريع الكبيرة والإشراف المباشر عليها. ولا نرى بأسا من استعارة الكفاءات الوطنية من الشركات الكبرى المتميزة والهيئة الملكية للعمل على إنشاء البنية التحتية البشرية لإدارة المشاريع. وبما أن من أهدافنا الوطنية تنويع مصادر الدخل العام، فنحن نتمنى أن تكون مسؤولية إنجاز هذا المطلب الاستراتيجي المهم مشتركة بين القطاع العام المتمثل في أجهزة الدولة المختصة باستثمار فوائض الدخل والقطاع الخاص الذي نجد أنه غالباً ما يتهرب من الاستثمار في المشاريع طويلة الأجل. وكما شاركت الدولة مع القطاع الخاص في عدة مشاريع حيوية ناجحة، سابك كمثال، فلماذا لا تقوم شراكة جديدة بين القطاعين في مشاريع تنموية كثيرة يكون هدفها تنويع الدخل وتوفير عدد كبير من الوظائف للمواطنين؟ وسوف يكون لهذه الخطوة فوائد كثيرة.

منها على سبيل المثال، بث روح الثقة لدى القطاع الخاص ورفع كفاءة الاستثمارات الحكومية وتجنيبها التعرض للفساد وعدم الشعور بالمسؤولية. فمن غير المقبول أن نفشل في تنفيذ البرامج والمخططات التي كانت تهدف إلى إيجاد مصادر جديدة للدخل وفوائض أموالنا الضخمة التي تقدر بمئات المليارات تقبع في سندات دولية غير مضمونة أو في استثمارات ضئيلة المردود خارج البلاد. ناهيك عن حرمان شبابنا من الوظائف التي من الممكن أن توفرها تلك المبالغ الكبيرة لو أن استثمارها كان داخل السعودية.

وهذه الرؤية تتطلب إقصاء أعداد كبيرة من العمالة الوافد المتكدسة بين ظهرانينا، من أجل فتح مجال أوسع لإشراك الأيدي الوطنية في مشاريع التنمية. وهذا لن يتحقق إلا بعد تغيير جذري لبعض المفاهيم السائدة في مجتمعنا، وعلى رأسها إصلاح وضع أعمال وتجارة التجزئة التي يسيطر عليها الوافدون، بسبب فوضى التأشيرات التي تمنح لضعاف النفوس من المواطنين وتحايلهم على النظام دون رادع من ضمير ولا خوف من عقاب. وزوال النظرة الدونية التي تسيطر على تصرفات وأفعال رجال الأعمال حول إشراك الأيدي الوطنية في المشاريع الصناعية دونما انتظار للضغوط المعتادة من الجهات الحكومية المختصة، على اعتبار أن ذلك واجب وطني، ما دام أن مصدر الكسب هو الثروة الوطنية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.