توجهات الاستراتيجية السكانية القادمة

زكي أبوالسعود

نشر في: آخر تحديث:

ضمن المعايير المستخدمة لقياس مدى صحة ومتانة الاستراتيجيات والخطط والبرامج التي تتبناها وتنتهجها الحكومات لحل المصاعب والمشكلات المعاشية والبيئية لمواطنيها، هي مدى توجهها نحو خدمة الأغلبية الساحقة من السكان، وخاصة الفئات ذات الدخول المنخفضة والمعدمة، وللارتقاء بهم نحو مستويات معيشية ذات نوعية أعلى، تخلصهم من قيود دوامة البحث الفردي والمؤقت عن حلول لمشكلاتهم اليومية المزمنة، وتزيل عنهم مضامين ومظاهر آثار حياتهم الصعبة والمرهقة.
كما أن شفافية ومرونة هذه الاستراتيجيات والخطط السنوية وتزويدها بالمخارج التي تمدها بالقدرة على تخطي العوائق البيروقراطية، وعلى التكيف مع ما يستجد من تغييرات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية ودون الانصراف عن أهدافها الجوهرية، يندرج هو الآخر في معايير قياس جديتها وصلابة التزامها بتنمية إنسانية دائمة، تخدم الوطن وتنهض به نحو آفاق حضارية جديدة.
جميع ذلك يحتاج إلى وجود جهاز تشريعي رقابي مستقل عن معدي ومنفذي هذه الاستراتيجيات والخطط السنوية، يتولى متابعة تنفيذها وتطبيقها بعد أن يقرها، ويملك القدرة والصلاحية على التدخل حينما يتعثر التنفيذ، أو يكون هناك ابتعاد عن مضامينها التنموية.
لا خلاف على أن معضلة السكن تحتل مكانة متقدمة في قائمة مشكلات المواطن التي تطول ويزداد وزنها وتتعقد خيوطها، وتتفاقم مع كل يوم يمضي وأيدي المعانين غير قابضة على مفاتيح حلول مشكلاتهم ومصاعبهم، مع الاستمرار في إطلاق الوعود والتصريحات عن قرب التوصل إلى حلول جذرية لهذه المشكلات المزمنة.
فها نحن في انتظار إعلان وزارة الإسكان عن استراتيجيتها الوطنية، التي ستعمل على تحديد السياسات الإسكانية القريبة والبعيدة المدى والخطط والبرامج التي تؤدي إلى توفير «حلول مستدامة» للمشكلة الإسكانية التي يرزح تحت وطأتها عدد كبير من المواطنين، خاصة حين نعلم أن مناقشة مسودتها يفترض أن تكون قد استكملت في أواخر شهر المحرم من 1433، مما يدل على أن هذه الاستراتيجية الوطنية المهمة جاهزة لرفعها لمجلس الوزراء لإقرارها قريباً!!
لقد تحدث معالي وزير الإسكان في ندوة الإسكان والتمويل العقاري عن نية الوزارة في إطلاق مشروعين مهمين سيكون لهما دورهما في تنظيم قطاع الإسكان، وهما مشروع شبكة «إيجار» والآخر هو مشروع «آلية الاستحقاق والأولوية» الذي من المفترض أن يحدد المستحقين للمنتجات السكنية المدعومة من الدولة، الذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص. وقد نشرت صحيفة «مال» تفصيلاً لهذه المعايير «6 معايير» سيتم الاستناد عليها للبدء في تنفيذ برامج وزارة الإسكان على هؤلاء المواطنين.
نظرياً، سيساعد تطبيق هذه المعايير على خلق حالة من الشفافية في تحديد أولوية المستحقين، التي يُرجى لها أن لا تتعثر في مطبات البيروقراطية ولا تقع في حفر الروتين الحكومي، ولا يهد بنيانها معاول الفساد. ولكنها من الناحية العملية ليس هناك ما يشير إلى أن تطبيق هذه المعايير سيؤدي إلى إصلاح آلية عمل المؤسسات الإسكانية، ويجعلها أكثر استجابة لحلول دائمة لمشكلات الناس. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ليس هناك ما يشير إلى أن تطبيق هذه المعايير سيقود إلى تقصير فترات انتظار المتقدمين لصندوق التنمية العقاري إلى أقل من عشر سنوات. كما أنها لن تعالج اختلاف الاحتياجات والإمكانيات بين المتقدمين. فمثلاً إن مساحات الوحدات السكنية ومخططاتها -التي يفترض أن يتم الانتهاء من بنائها خلال العامين القادمين- لا تأخذ في حسبانها عدد وأعمار أفراد الأسرة. والأهم من بين كل ذلك دخول أرباب هذه الأسر، فهذه المعايير لا تفرق حين التسديد بين من دخله لا يتجاوز الثلاثة آلاف ريـال شهرياً، ومن دخله أضعاف ذلك، فالجميع عليهم تسديد القيمة خلال نفس الفترة الزمنية دون مراعاة لنسبة القسط من الدخل الشهري. إن خلو هذه البرامج من مراعاة القدرات المالية لمستخدميها يفرغها من طابعها الاجتماعي ويحولها إلى برامج آلية بلا روح عرضة للكسر حين هبوب الأزمات.
لقد مضى على تأسيس صندوق التنمية العقاري، الذراع المالية المهمة في هيكل وزارة الإسكان، أربعون عاماً، أسهم خلال مسيرته في حل مشكلات السكن لمئات الآلاف من المواطنين في مختلف أرجاء المملكة، فلولا قرض الصندوق لما تمكنوا من بنيان بيوتهم. وقد ساعدت زيادة رأسمال الصندوق على التقليل من فترة انتظار المتقدمين، وعلى رفع قيمة القرض إلى خمسمائة ألف ريـال، مما وفر للمقترضين سيولة أكبر لمواجهة الارتفاعات الكبيرة في أسعار مواد البناء. ولكن الآلية التي يعمل بها الصندوق بقيت دون تغيير، ولم يدخل عليها أي تعديل يتناسق مع التغييرات الديموغرافية والحياتية التي لحقت بسكان المملكة.
إن كون الصندوق مؤسسة مالية حكومية غير ربحية وعدم خضوعه لمراقبة ساما أدى إلى بقائه دون تطوير ودون تبني أي من التغييرات التي حدثت في مجمل القطاع المصرفي السعودي.
وليس كلامي هذا دعوة إلى تحويل الصندوق إلى كيان مصرفي تجاري، وتخليصه من دوره التنموي، ولكن من الضروري تبني منهج حديث في تقييم قيمة القرض المستحق وفترة التسديد، وفقاً للمعايير المصرفية المتبعة في منح القروض كدخل المقترض وعمره، والبحث عن مصادر دخل إضافية من خارج التمويل الحكومي كي يستطيع الصندوق زيادة سيولته المالية لتساعده في منح مزيد من القروض الجديدة.
إن تطوير طرق عمل صندوق التنمية العقاري يجب أن يتبوأ مكانة أكبر في الاستراتيجية الإسكانية المنتظرة، التي يجب أن تركز اتجاهاتها على خدمة الموطنين البسطاء وتجنيب الأجيال القادمة المعاناة التي عاشها من سبقوهم.

*نقلا عن الشرق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.