عاجل

البث المباشر

ميزانية اللصوص

"عليك أن تحارب المجرمين والفاسدين في آن معاً. دون ذلك لا أمل يرجى في الخلاص".

أندريه لوبيز أوبرادو سياسي مكسيكي

للصوص والناهبين، أيضاً ميزانياتهم، ولا سيما أولئك الذين "هيكلوا" أنفسهم وفق قواعد العصابات المنظمة، ووضعوا أنظمتهم المروعة. وهؤلاء يتطورون أيضاً، من عصابات منظمة مارقة، إلى أنظمة أكثر بشاعة. وفي إطار هذا النوع من الأنظمة، تحافظ العلاقة على تطورها مع العصابات الأخرى، إلى درجة أن تتحول العصابات المحلية والخارجية إلى مؤسسات للنظام نفسه، وروافد محورية له. فهي تمثل في النهاية حجر الزاوية للاقتصاد "الوطني" في ظل النظام المارق. وعلى هذا الأساس، من الطبيعي أن تكون لسفاح سورية بشار الأسد ميزانيته "العامة" الثالثة، بعد الثورة الشعبية العارمة التي لم تتوقف للتخلص من أبشع نظام مر في المنطقة. فإعلان الميزانية (بحد ذاته) إشارة إلى أن هذا النظام الإجرامي ما زال موجوداً، حتى وإن غابت مؤسسات الدولة نفسها! بل حتى إن تقلصت الرقعة الجغرافية التي يسيطر عليها.

أرقام ميزانية الأسد للعام الجاري كبيرة جداً، لكنها في الواقع ضئيلة القيمة. صحيح أنه سجل فيها 9,8 مليار دولار (1,39 تريليون ليرة)، غير أنها لا تشكل سوى ثلث الميزانية التي أُعلنت في عام 2010. وأقول: أُعلنت، لا صُرفت أو نُفذت، لأن الأموال الحقيقية للموازنات العامة في سورية، منذ بدء عهد الأب إلى الابن، هي خليط بين بندين. الأول: أموال منهوبة، والثاني: أموال مصروفة. والبند الأول هو الذي يستحوذ على الحجم الأكبر من الأموال. أما لماذا لا تشكل الأموال المعلنة في الميزانية الجديدة إلا ثلث تلك الخاصة بميزانية عام 2010، فلأن الليرة السورية فقدت ثلثي قيمتها في الأشهر الماضية، ولا تزال ماضية في التراجع. مع ضرورة الإشارة إلى أن قيمتها قبل الثورة، لم تكن حقيقية 100 في المائة. جزء من هذه القيمة كان وهمياً. وعندما تصل قيمة العملة إلى الحضيض، فإن المليار يتحول على الفور إلى رقم عابر، لا رقم فاعل. فلا عجب، أن يُطلق الأسد وعصاباته الميزانية بالتريليون من الليرات. والمشكلة هنا، لا ترتبط فقط بالانهيار التدريجي لما تبقى من الاقتصاد، بل تكمن أيضاً في سرقة الاقتصاد نفسه، قبل الثورة بأكثر من أربعة عقود.

لكن مهلاً، الميزانية (أي ميزانية) تعني الإنفاق. ولنضع قضية التنمية جانباً. لا تنمية في ظل نظام يتعاطى مع المصرف المركزي "الوطني"، كما يتعاطى أي شخص مع خزانة منزله. فهذا المصرف تجاوز حالته الوطنية منذ أكثر من 40 عاماً. ميزانية الأسد لعام 2014، هي في الواقع مخصصة في الدرجة الأولى، لتمويل حربه ضد الشعب السوري. وتتضمن أساساً التسليح والرواتب والأجور. وهذه الأخيرة مخصصة فقط للمناطق التي لا يزال يسيطر عليها. وبذلك تكون الميزانية لبعض سورية لا كلها، وللموالين، لا لأولئك الذين وجدوا أنه من العار، أن يستمر هذا النظام الوحشي إلى ما لا نهاية. إلى جانب (طبعاً) رواتب المرتزقة وقطاع الطرق الذين يشكلون أساس القوة العسكرية للأسد. دون أن ننسى المكافآت التي تُمنح لكل مرتزق على رأس كل مدني سوري يحصده. استناداً إلى المراقبين المحايدين الذين لا مواقف لهم فيما يجري في سورية، فإن ثلث السوريين سيكون لهم نصيب ما من هذه الميزانية. وهذا التصور واقعي، ليس فقط لأن الأسد لا يسيطر فعلياً إلا على ثلث البلاد، بل لأنه يحتاج إلى جعل المناطق التي يحتلها هادئة قدر المستطاع. وعلى هذا الأساس سينحصر قليلاً من بنود الميزانية في منطقة الساحل الخامدة بمدنها المشتعلة بأريافها، إلا تلك التي توالي الأسد طائفياً. فهذه الأخيرة، لا تزال تؤمن باستحالة زوال الأسد المنتمي لها. وبعيداً عن هذا الجانب المروع، فميزانية الأسد، ليست أقل من ميزانية حرب ضد شعب، وليست أكثر من خزانة مخصصة للإنفاق على الموالين المخلصين، الذين يعرفون أنهم منتهون، حتى قبل النهاية الكلية للأسد وما تبقى من نظامه. هذه الميزانية، بتريليونها، إضافة إلى مئات المليارات الأخرى من الليرات فيها، سواء كانت بالقيمة الحالية لها، أو بقيمتها السابقة، لا تصل إلى 10 في المائة مما نهبه الأسد وأسرته وأعوانه، وأولئك المستفيدون الذين يظهرون دائماً في أزمنة الخراب. وستدخل هذه الميزانية (كغيرها) تاريخ البلاد، كميزانية عامة شكلاً، ولكنها خاصة مضموناً. وكل ليرة ستصرف منها، هي ليرة مسروقة من سوري لا يلقى لقاحا لطفله، ولا حتى شعيراً لخبزه. ومهما كان الشكل الاقتصادي المعلن لها، فهي حاجة سلبها القادر القاتل من المحتاج. لن يكون التاريخ رحيماً بالأسد وعصاباته، فالرحمة مع قاتل الأطفال والأبرياء ومدمر البلاد ومهجر الشعب، جريمة في حد ذاتها يعاقب عليها الرحيم نفسه. أطلق الأسد ميزانيته، لكنه في الوقت نفسه يعرف، أنها قد تكون الميزانية الأخيرة التي يستطيع إطلاقها، وأن بعض سورية الذي يحلم به مع عصاباته والموالين له، يموت في عملية ولادته تلقائياً، من دون كل سورية.

*نقلا عن الاقتصادية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة