عينة من ثروتنا

إحسان علي بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

النفط، هو جُلّ ما نملك، أو لنقل هو الممول الرئيس لكل ارتفاع شهيق وهبوط زفير. هكذا قد يظن البعض. شخصياً، أكن للنفط كل احترام وتقدير، فمازات عالقة في الذهن منذ طفولتي شعلاته تضيء الصحراء وكأننا في عرس هائل لا ينتهي. وبعدها أدركت أن اكتشاف النفط قلب وجه حياتنا وتطلعاتنا، وأن النفط مول التنمية بكل أوجهها وساهم في حركة التطوير والتمدن. وشخصياً كذلك أتمنى لو يمكث النفط بيننا دهوراً، وأن يزداد إعتماد القوى العظمى المستقرة والناشئة الصاعدة ليس على النفط عموماً بل على نفطنا خصوصاً دونما سواه، ففي ذلك مصدر قوة لنا ومكاسب.

أدرك أن هناك من يشغل نفسه باللحظة الحاضرة ولا شيء سواها، وكأنه لم يستوعب حكمة الأجداد فقد كانوا يزرعون فسيلاً ويرعونها سنوات لتصبح نخلة مثمرةأما الحقيقة التي نعرفها منذ اكتشافه أنه إلى نضوب، وليس ثمة مفاجأة في ذلك. السؤال: هل من ثروة أخرى ستحل محل النفط؟ لا أحد يعلم الإجابة، لكن رسمياً الاستعدادات لنضوبه بدأت منذ إطلاق أول خطة خمسية للتنمية، إذ يمكن القول: إن تلك الخطة تحديداً كانت مسكونة –فيما يبدو - بهواجس: النمو الاقتصادي، وتطوير الموارد البشرية، والتنويع الاقتصادي، ولا شيء سواها؛ فقد كان لتلك الخطة ثلاثة أهداف فقط. وكانت واضحة أشد الوضوح في تبرئها من الاعتماد على النفط، عندما نص هدفها الثالث على: "تنويع مصادر الدخل الوطني وتخفيف الاعتماد على البترول عن طريق زيادة مساهمة القطاعات الانتاجية الاخرى في الانتاج المحلي الاجمالي." كان ذلك هدفنا في العام 1970، وما برح حتى الآن؛ ففي ذلك الوقت كانت الإيرادات النفطية تمثل نحو 89 بالمائة من إيرادات الخزانة، ولم يتغير الأمر كثيراً على مدى 43 عاماً. ولن أستطرد، فالأمر واضح، لكني أنتقل لأقول إن "تخفيف الاعتماد على النفط" لا يمكن أن يكون هدفاً مستقلاً، بل هو بالضرورة هدف تابع يتحقق بتحقق التنوع الاقتصادي غير المرتبط بالنفط. لكنه يتحقق بصورة أساس عندما نضع نصب أعيننا تطوير مواردنا البشرية بفعالية وبروح فيها الكثير من العناد والتحدي؛ عناد للالتزام بالخطط وعدم إهمالها أو التمهل في إنجازها، والتحدي بأن نحقق تطلعات اقتصادية نتيجة لتطوير مواردنا البشرية. أدرك أن هناك من يشغل نفسه باللحظة الحاضرة ولا شيء سواها، وكأنه لم يستوعب حكمة الأجداد فقد كانوا يزرعون فسيلاً ويرعونها سنوات لتصبح نخلة مثمرة. أما الاجابة القاطعة فهي عند مواردنا البشرية، ففرصتنا لتحقيق "معجزات" اقتصادية تتحدد هناك وليس في أي مكانٍ آخر. حكى لي أحدهم قصة شاب سعودي وفد لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية من إحدى قرى جازان النائية من خلال برنامج "موهبة"، تمكنت "كاوست" أن تلحقه بهارفارد، فأنهى دراسته لبكالوريس الرياضيات خلال الفترة المحددة وبمعدل 4 نقاط من 4. هناك العديد من أمثال عبدالله القانع، ممن لا يجوز إلا أن يستثمروا باستراتيجية جادة ومتوثبة. وما دام خطنا هو التنويع الاقتصادي غير المعتمد على النفط، فأمامنا الاقتصاد المعرفي الذي نفث الروح في اقتصادات مهمشة وجدد شباب اقتصادات كانت على وشك أن تهرم؛ لننظر إلى كوريا وقبلها اليابان – على سبيل المثال لا الحصر - حيث النمو الاقتصادي القائم على المعرفة وانعدام الموارد الطبيعية تقريباً. بعد 43 عاماً، كيف السبيل للتنويع لجعل الاقتصاد السعودي محوره الانسان وعبقريته؟.

*نقلا عن اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.