المصارف الإسلامية وحاجتها إلى سوق إسلامية للسلع

صلاح بن فهد الشلهوب

نشر في: آخر تحديث:

المصارف الإسلامية وهي اليوم تعيش فترة نشوة النمو بعد الزيادة الكبيرة في أصولها خلال الفترة القصيرة الماضية، حيث تجاوزت أصول التمويل الإسلامي التريليون دولار، ويتحدث بعض الخبراء والباحثين عن أن أصولها قد تكون تجاوزت تريليوني دولار، وهذا النمو في الوقت الذي تحقق فيه المؤسسات المالية الإسلامية الفرص، إلا أنها تزيد من حجم التحديات والمواجهة مع الصعوبات والعوائق التي ستواجهها المصرفية الإسلامية داخل منظومة الاقتصاد العالمي.

فالسوق المحدودة التي كانت تتمتع بها أثناء ما كان حجم المصرفية الإسلامية صغيرا أصبحت اليوم في مرحلة تضيق فيها حصتها في هذه السوق بسبب أن المصرفية الإسلامية ما زالت تعمل في إطار محدود، وضعت قيوده مسبقا، وقد بدأت هذه القيود بتسمية نفسها مصرفية إسلامية، بمعنى أنها مختصة بشريحة محددة من هذا العالم الواسع، مع العلم أن التجارة والاستثمار في التاريخ الإسلامي لم يركزا على فئة محددة من العالم.

بل كانا نشاطا منضبطا بأحكام الشريعة دون الحاجة إلى وصفهما بإسلامية، وقد خدمت بهما البشرية، حيث يتحدث البعض عن أن الحضارة الإسلامية كان لها دور في تطوير المعاملات، بل إن بعض الباحثين يذكر أن بعض أنظمة الشركات في بعض دول أوروبا كان للمذهب المالكي مساهمة فيه، خصوصا فيما يتعلق بنظام شركة المضاربة، وهذا أمر طبيعي، إذ إن الحضارات تستفيد وتبني على مكتسبات بعضها بعضا، خصوصا عندما يوجد فيها فائدة وإضافة يمكن البناء عليها للوصول إلى نتائج أفضل.

ولم يكن التشريع الإسلامي عائقا في تقدم الإرث الإنساني في مجال المعاملات، بل أضاف له بعدا يعزز من كفاءة هذه المعاملات، والأمثلة التي تؤكد ذلك كثيرة لا يسع هذا المقال سردها، وهذا لا يعني أن التشريع لم يمنع من مجموعة من المعاملات التي هي في الواقع تؤدي إلى عدم التوازن في النشاط الاقتصادي، وتؤدي إلى تحقيق المنفعة للبعض في مقابل الإضرار بالبعض الآخر.

عند النظر إلى نشاط المصارف الإسلامية اليوم نجد أن السلع أصبحت اليوم شرطا لتسويغ كثير من منتجاتها، وهي في الحقيقة ليست مقصودة في المعاملة، ما أدى إلى مجموعة من التحديات منها وجود هذه السوق التي يمكن أن تتداول فيها هذه المؤسسات، خصوصا أن هذه الأسواق تتداول في كثير من الصور بالآجل وهو ما يحقق للمتداولين فيها من الوسطاء فرصة للتداول بشكل صوري لممارسة مجموعة من المشتقات المالية، خصوصا في السلع إلى أن يتم تسليمها في النهاية إلى من يحتاج إلى استخدامها، ومن الممكن في بعض هذه الأسواق أن يتم التداول بشكل فوري، وهذه فقط الأسواق المناسبة للمصارف الإسلامية.

أما السلع المحلية التي تستخدمها بعض المصارف الإسلامية لا تكفي لكثير من العمليات الكبيرة، إضافة إلى المخاطر التي لا تمكّن المصرف من الاستفادة منها في العمليات الكبيرة. من التحديات أيضا مسألة الانفكاك عن التفكير في الشكل على حساب المضمون، إذ إن وظيفة المصرف إسلاميا كان أو تقليديا متقاربة إلى حد كبير، والاستخدام للسلع بغير حاجة حقيقية في المعاملة ما هو إلا مزيد من التكلفة التي تقلل تنافسية المصرفية الإسلامية، وهذا أيضا تحدٍ ثالث يتعلق بالتكلفة لمنتجات المصرفية الإسلامية مقارنة بالمصرفية التقليدية.

من التحديات أيضا وجود منظومة متكاملة لعمل المنتجات، ولذلك سعت ماليزيا إلى إنشاء بورصة لزيت النخيل، ولكن تبقى هذه السوق محدودة جدا، مقارنة باحتياجات المصارف الإسلامية إضافة إلى عدم وجود تنوع في السلع.

ولذلك من المهم في هذه المرحلة العمل على إيجاد سوق أكبر للسلع، خصوصا في دول الخليج ويمكن أن يكون للمملكة فرصة كبيرة في ذلك بما أنها تحتضن حصة كبيرة من سوق التمويل الإسلامي، ولتعزيز فرص تكوين قاعدة اقتصادية متكاملة، وما زالت الفرص متاحة لنمو أكبر بعد مجموعة من البرامج التي عززت من نمو هذه الصناعة في المملكة. وسوق السلع يمكن أن تكون أداة إضافية لاستيعاب الاستثمارات التي أصبحت تتركز اليوم على الأسهم والعقار، والذي قد يؤدي إلى تضخم أسعارها بسبب قلة الأوعية الاستثمارية.

فالخلاصة أن المصرفية الإسلامية اليوم أصبحت في مواجهة تحديات أكبر بعد هذا النمو الكبير في أصولها، إذ أصبح التحدي اليوم هو في وجود منتجات منافسة عمليا للمنتج التقليدي من جهة كفاءة المنتج، كما أن تكامل منظومة عمليات المصارف الإسلامية مهم بما فيها سوق السلع التي أصبحت في الوضع الحالي عنصرا لازما في كثير من عمليات المصارف الإسلامية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.