في إعلان فوق المنافسة .. هيئة السوق المالية تنشئ لجنة المراجعة

محمد آل عباس

نشر في: آخر تحديث:

باختصار إن ما تشهده هيئة السوق المالية والسوق من تطوير يثير الحماسة للكتابة عنها مرة أخرى، فلقد كنت قد وصلت إلى حد الملل عند الكتابة عن هذا الموضوع، وكنت أعتقد أن القارئ أيضا وصل إلى اللامبالاة مع ما يكتب عنها وخاصة أنه ولسنوات عدة وبعد انهيار السوق عام 2006 لم تحدث حركة تصحيحية جدية تعنى بتصحيح حال السوق أو حتى الهيئة، لكن مع مطلع عام 2014 بدأت الرياح تهب على أشرعة السوق، ولعل أهم تلك الإصلاحات التي قامت بها السوق المالية القرار المتعلق بتصنيف الشركات المدرجة في السوق المالية بناء على مستوى الخسائر، وهو القرار الذي قسمها إلى تلك التي بلغت خسائرها المتراكمة 50 في المائة من رأسمالها، وتلك التي بلغت 75 في المائة.

ورغم أن هيئة السوق المالية قد منحت الشركات فرصة حتى رمضان المقبل إلا أن الكثير من المواقع والمحللين قد استبقوا قرارات الهيئة وبدأ تقسيم السوق فعليا بوضع العلامات الحمراء أمام الشركات الخاسرة، لكن التغير الحقيقي المنتظر هو شرط "T+2" عند تداول الشركات التي بلغت خسائرها 75 في المائة.

كنت قد كتبت مقالا بخصوص ما سبق بعنوان "السوق المالية .. خطوة صحيحة في مشوار طويل"، وقلت إن المشوار طويل على أساس أن تغيير السوق أخذ وقتا أكثر مما ينبغي فعلا، لكني لم أتوقع أن الحراك في داخل هيئة السوق المالية أسرع بكثير من فضولي، وهي تعلن تشكيل عدد من اللجان المتخصصة ومن أهمها تشكيل لجنة المراجعة الداخلية واعتماد لائحتها، حيث تضم أعضاء مستقلين من خارج الهيئة، والجميل أن لائحة عمل لجنة المراجعة ينص ــــ وفقا لإعلان الهيئة - على تطوير وتحسين وظيفة المراجعة الداخلية من خلال متابعة أعمال المراجعة الداخلية في الهيئة ودراسة التقارير الخاصة بها من أجل التحقق من فعاليتها في تنفيذ أعمالها ومهامها، وتقويم نظام الرقابة الداخلية في الهيئة وتقديم المقترحات والتوصيات لتحسينه وتطويره، ومتابعة أعمال مراقب الحسابات المعيّن لتدقيق القوائم المالية للهيئة وحساباتها الختامية ودراسة القوائم المالية للهيئة وحساباتها الختامية قبل عرضها على مجلس الهيئة وإبداء الرأي والتوصية في شأنها وتقديم المقترحات والتوصيات لمجلس الهيئة لتطوير البيئة الرقابية في الهيئة.

لقد خطت هيئة السوق المالية بإنشاء هذه اللجنة خطوة واسعة وكبيرة نحو إصلاح هيكلها وأعمالها وأعمال إداراتها المختلفة، فإنشاء لجنة المراجعة سيمنح إدارة المراجعة الداخلية هامشا واسعا للعمل وحرية الحركة داخل هذه المؤسسة المهمة وستجد دعما قويا يعزز من استقلالها، وهذا ما سيمنحها الكثير من القدرة على التطوير وتقديم الاستشارات التي تحقق لهيئة السوق المالية القدرة على تقييم المخاطر وتطوير آليات مواجهتها. لكن المهم على الإطلاق - عندي على الأقل - هو أن الهيئة كسرت حاجزا كبيرا في هيكل الهيئات والمؤسسات العامة ذات الميزانيات المستقلة، كما أنها تضع موضوع المراجعة الداخلية واستقلالها في الواجهة مرة أخرى وهو ما يرفع سقف التحدي أمام جميع الهيئات المماثلة، ولهذا فإني أعتبره قرارا فوق المنافسة.

لقد ناديت ومنذ زمن بإنشاء لجان المراجعة في جميع الهيئات والمؤسسات العامة، ومنها الجامعات السعودية، كما طالبت بضمان استقلال المراجع الداخلي في هذه الهيئات، وذلك أن يتم تعيينه وإعفاؤه وكذلك تحديد مخصصاته واعتماد خطط المراجعة من قبل أما مجلس الإدارة أو من قبل لجنة المراجعة، وألا يكون للمسؤول التنفيذي في كل هذه القطاعات مهما بلغ منصبه أو مرتبته التأثير في المراجع الداخلي أو تحديد نطاق أعماله.

ومع الأسف كانت التجارب المتوافرة لدينا مخيبة للآمال، وخاصة عندما تجاهلت الكثير من الجامعات دور المراجعة الداخلية، إما من خلال إهمالها أو من خلال ربطها مباشرة بمدير الجامعة أو بأقل منه، وعدم إنشاء لجنة للمراجعة وذلك على كثرة وتعدد اللجان التي فيها. ثم جاء مجلس الشورى قبل نحو عام بإحباط مماثل عندما رفض مشروعا لربط المراجعة الداخلية بمجلس الإدارة في هيكل إحدى الهيئات العامة، ولم يقدم مقترحا أفضل بدلا عن ذلك كإنشاء لجنة للمراجعة الداخلية. لقد كنا في حاجة إلى مسؤول من نوع خاص يتولى بنفسه إنشاء هذه اللجنة ويمنح المراجعة الداخلية استقلالها وأن يقدم للجميع نموذجا يحتذى به، حتى جاء رئيس هيئة السوق المالية بقرار إنشاء لجنة المراجعة بكل ما احتوته لائحتها من تعهدات بضمان دعم واستقلال المراجعة الداخلية.

والآن نأمل أن تجد هذه الخطوة الرائدة من هيئة السوق المالية، صدى واسعا في جميع الهيئات والجهات المماثلة، وأن ينزل مجلس الشورى من برجه وقبته لكي يقيم التجربة على واقعها الراهن وليرى أن بالإمكان فعلا ضمان ودعم استقلال المراجع الداخلي، وأن عليه دعم التجربة وإحياءها من خلال فرضها وتطبيقها على جميع الهيئات والمؤسسات العامة. ورغم أن الطموح كبير نحو إصلاح الهياكل الإدارية ودعم الجهود الرقابية والتخطيط الاستراتيجي في كل الجهات، فإنه من المناسب القول هنا إننا لم نزل في حاجة إلى ديوان المراقبة العامة ليمارس دوره في هذه اللجان، وأن يطور من أدواته لمجاراة التطورات المتلاحقة من حوله.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.