عاجل

البث المباشر

أمين ساعاتي

كاتب سعودي

كاتب سعودي

الفساد الإداري والمالي.. في القطاع الخاص

الفساد خصلة من خصال النفس البشرية الأمارة بالسوء، وهو موجود ما وجد الإنسان، ويتحلق الفساد حول المال والثروة، ويبحث عن كل السبل الملتوية للوصول إليهما بالطرق غير المشروعة.

ونلاحظ في هذه الأيام اهتماما كبيراً من الحكومة بمحاربة الفساد في القطاع الحكومي، بينما لا يزال الفساد في القطاع الخاص بعيداً عن الملاحقة، والسبب أن دور القطاع الخاص في تنفيذ برامج التنمية كان ضعيفاً ومحدوداً.

وهذا على عكس ما يحدث في الدول المتقدمة، ففي الدول المتقدمة نلاحظ أن محاربة الفساد في القطاع الخاص تحتل الأولوية، لأن دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي في الدول المتقدمة كبير جداً، بينما دور القطاع الحكومي محدود وضعيف.

ما يجب أن ندركه الآن هو أن دور القطاع الخاص السعودي في النشاط الاقتصادي وتنفيذ برامج التنمية بدأ يتعاظم، وبدأت فواتير المشاريع تحفل بالأرقام المالية الكبيرة، وأصبح لزاماً على الحكومة أن تنشئ جهازاً للمحاسبات والرقابة على الشركات مثلما أنشأت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ولا يكفي أن يضم نظام الشركات الجديد مادة تنص على أن تعين كل شركة لجنة لمراقبة ومتابعة أعمال وقرارات مجلس الإدارة.

لقد بدأت روائح الفساد في القطاع الخاص تفوح في كل الأروقة والدهاليز، وتقول أخبار الأسواق إن الكثير من الشركات حققت خسائر في العام المالي 2012 بفعل فاعل مخالفة كل التوقعات، بينما هناك روائح تصاعدت من مكاتب رؤساء مجالس إدارات ومديرين عامين تُلمح إلى وجود فساد وتلاعب بالمال الخاص!

وقبل أن نستعرض بعض القصص المتطايرة من هنا وهناك فإنه يجدر أن تفكر الحكومة جدياً في تأسيس جهة رقابية تراقب السجلات وتراجع القوائم المالية في شركات ومؤسسات القطاع الخاص، لأن القطاع الخاص جزء لا يتجزأ من القطاع الوطني، ولذلك ليس من المنطق ألا توجد آليات رقابية على قطاع الأعمال في السعودية، بينما تصهلل الرقابة والملاحقة في أروقة المؤسسات الحكومية.

هناك شركات كثيرة يتجاوز رأسمالها مائة مليون ريال و200 مليون ريال، وقد بدأت تتدهور بسبب وفاة مالكها وانتقال الملكية إلى الأبناء، ومن المؤسف أن يكون الابن الأكبر قد بدأ رحلة التلاعب في السجلات والاستيلاء محاسبياً على ثلثي الأملاك وترك حفنة من الأصول لباقي الورثة.

وهناك رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات يستغل ظروف الأعضاء ويشتري أسهمهم بأقل الأسعار، وهناك مديرون تنفيذيون في بعض الشركات يتلاعبون بأصوات المتغيبين من أعضاء الجمعية العمومية، ويجيّرونها لمصلحة أصوات أعضاء بعينهم ليدخلوا مجلس الإدارة لغرض في نفس يعقوب!

وهناك مدير عام لإحدى المؤسسات يستغل منصبه التنفيذي ويجمع التوقيعات من خلال ما يسمى بالمحضر التمريري لاستبعاد عضو مشاكس من أعضاء الجمعية العمومية، ثم يتخذ قراراً تعسفياً لتجريده من وظيفته كنائب للمدير العام!

وفوق هذا وذاك فإننا نقرأ في الصحف كثيراً أن هيئة سوق المال تعاني كثيراً من تلاعب الشركات بالقوائم المالية. والأكثر من ذلك إحراجاً أن كثيراً من المحاسبين القانونيين يرشدون ويساعدون الشركات على ممارسة التدليس وتضخيم الأرباح والتلاعب في الميزانيات نظير أن يسمح لهم بالاستمرار في مراجعة الحسابات!

وإزاء مواجهة الفساد في القطاع الخاص، فقد ابتكر الغرب فكرة حوكمة الشركات، وتختص الحوكمة بمراقبة أداء مجلس الإدارة والإدارة العامة، لأنه في هذين القطاعين تطبخ وتصدر القرارات!

ولقد جاءت فكرة نظام حوكمة الشركات بعد الفضائح المالية الكبيرة التي منيت بها مجموعة من الشركات الكبرى وأدت إلى كوارث اقتصادية مدوية ما زال صداها يتردد في الأسواق العالمية حتى اليوم، ويومذاك اهتز عرش الاقتصاد الغربي والاقتصاد العالمي، ودخل العالم كله في أزمة مالية عالمية ما زالت آثارها باقية تتهدد الاقتصاد الدولي حتى اليوم.

ومن المؤسف أن الثمن الباهظ الذي دفعه الغرب جراء سقوط البنوك والشركات العملاقة بسبب الفساد، فقد نال الخليجيون جزءاً كبيراً من الخسائر، وتآكلت استثماراتهم بسبب موجات التلاعب والفساد.

ومنذ ذلك الوقت أصبح نظام حوكمة الشركات هو المحاولة الأهم لدرء انتشار الفساد وسقوط المزيد من إمبراطوريات القطاع الخاص في الغرب.

وفعلاً كانت النتائج مرضية بعد أن وجد الاقتصاديون الغربيون في نظام حوكمة الشركات وسيلة فعالة للحيلولة دون التورط في مزيد من الفساد المدمر لشركات المال والأعمال في دول العالم المتقدم.

وإزاء خطر انتشار الفساد فقد اعتمدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مجموعة المعايير التي وردت في نظام حوكمة الشركات، ضمن المعايير التي تعتمد عليها مؤسسات التصنيف الائتماني في تقييم الوضع الاقتصادي للدول. وأهم ما يرتكز عليه نظام حوكمة الشركات هو الحفاظ على حقوق المساهمين، وتحقيق المعاملة العادلة للمساهمين، وإذكاء دور أصحاب المصالح، والحرص على الوضوح والشفافية، وتأكيد مسؤولية مجلس الإدارة عن أي انحراف في الشركة مكان البحث.

ولا شك فإنه إذا ما تم ضبط هذه القواعد الخمس، فإن الشركات ستتحرك ضمن قواعد تضمن لها حالة من حالات التوازن والاستقرار.

والسؤال المهم هو: لماذا لم تبادر البنوك والشركات الكبرى في المملكة العربية السعودية وتعلن على الملأ أنها تعتمد تنفيذ نظام حوكمة الشركات وأنها تلتزم بتطبيقه في جميع معاملاتها، ثم لماذا لا تفرض وزارة التجارة والصناعة رسمياً نظام حوكمة الشركات على جميع الشركات السعودية دون استثناء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون؟!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة