هل تنتقل عدوى إنتاج الغاز الصخري إلى الصين؟

سليمان الخطاف

سليمان الخطاف

نشر في: آخر تحديث:

أصبحت الصين في القرن الحالي محرك العالم الاقتصادي، ويكاد يكون معدل نمو اقتصادها معياراً عالمياً يعكس الحالة الصحية للاقتصاد العالمى.

لذلك فانه من غير المفاجئ ان تكون الصين ثانى أكبر دولة في العالم طلباً للوقود الأحفورى وأكبر مستورد للطاقة الأحفورية في العالم متخطية الولايات المتحدة واليابان، وأيضاً أكبر مستهلك للفحم الحجري الملوث للبيئة بالعالم.
وحسب نشرة شركة بريتش بتروليوم الاحصائية فان الصين تمتلك احتياطيات متواضعة من الغاز الطبيعى التقليدى تقدر بحوالى 3.1 تريليون متر مكعب مقابل 33 تريليون لكل من روسيا وايران.

وتعد الصين ثالث أكبر منتج للغاز الطبيعى فى آسيا بعد ايران وقطر، ويكاد يعادل انتاجها من الغاز الطبيعى الانتاج السعودي الذى يصل الى حدود 103-107 بلايين متر مكعب سنوياً.

الجدير بالذكر ان الانتاج الصينى قفز بحوالى 3 أضعاف فى فترة عشر سنوات (كما يوضح شكل 1).
يبقى مخزون الصين الهائل من الغاز الصخرى مصدر قلق وأمل فى نفس الوقت لكثير من الدولأما من حيث استهلاك الغاز الطبيعى فيقع الترتيب العالمى للصين رابعاً عالمياً بعد امريكا وروسيا وايران.
ولقد وصل استهلاكها فى نهاية عام 2012 الى حوالى 144 بليون متر مكعب ما يعني انها تنتج حوالى 75% من حاجتها للغاز وتستورد الباقى من الخارج.

ولقد استوردت الصين فى تلك السنة حوالى 20 بليون متر مكعب من الغاز المسال، ويوجد خط أنابيب بطول 2000 كم وبطاقة 30 بليون متر مكعب سنوياً لاستيراد الغاز الطبيعى من تركمانستان.

وتبقى المشكلة الكبرى فى الصين (فى ظل تواضع مخزونها من الغاز الطبيعى التقليدى) اعتمادها الرئيس على الفحم الحجرى لتوليد الطاقة.
ولقد استهلكت الصين فى عام 2012 حوالى 1874 مليون طن من الفحم الحجرى لتوليد الطاقة ولصناعة الميثانول والأسمدة، وبهذا تكون الصين قد استهلكت وحدها حوالى 50% من اجمالى الاستهلاك العالمى للفحم الحجرى الملوث الأكبر للبيئة.

لذلك فان الصين مطالبة بتخفيف استهلاكها الهائل لهذا المصدر وتعويضه باستخدام الغاز الطبيعى الاقل من حيث التأثير السلبى على البيئة.
وتقدر حالياً حصة الغاز الطبيعى من اجمالى الطاقة المستهلكة فى الصين بحوالى من 3-4 % ويتوقع الخبراء ان ترتفع هذه النسبة الى 10% بحلول 2020م، لتقليل التلوث الناتج عن حرق الفحم الحجرى.

وتنفق الصين حالياً عشرات المليارات من الدولارات على مشاريع تحويل الفحم الحجرى الى غاز طبيعى بخلطه مع بخار الماء وغاز الاكسجين تحت ضغط وحرارة عالية.

وحسب ادارة معلومات الطاقة الامريكية فان الصين تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز غير التقليدى سواء الصخرى أو الفحمى (CBM).
ولقد وصلت الاحتياطيات الصينية الممكن استخراجها من غازات (CBM) غير التقليدية الى حوالى 10.6 تريليون متر مكعب وهى أكثر من احتياطيات امريكا من الغاز الطبيعى التقليدى التى -حسب نشرة BP- قد وصلت الى 8.5 تريليون متر مكعب فى نهاية عام 2012م.
أما الانتاج الصينى من هذه الغازات فلقد وصل الى حوالى 11 بليون متر مكعب فى عام 2010م، ومن المتوقع ان يرتفع الى 47.5 بليون متر مكعب بحلول 2030م.

لكن يبقى مخزون الصين الهائل من الغاز الصخرى مصدر قلق وأمل فى نفس الوقت لكثير من الدول.

فحسب ادارة معلومات الطاقة الامريكية فان احتياطيات الصين المثبتة من الغاز الصخرى تقارب 36 تريليون متر مكعب اى أكبر من الاحتياطى الروسى من الغاز الطبيعى التقليدى.

الجدير بالذكر ان الاحتياطيات الامريكية للغاز الصخرى مازالت متضاربة، فبعد ان كانت تقدر بحوالى 23 تريليون متر مكعب فى عام 2011م، انخفضت فى عام 2012م الى حوالى 13 تريليون متر مكعب نتيجة انخفاض الاحتياطيات التى يمكن استخراجها من حقول مارسيلوس فى كل من ولاية بنسلفانيا ونيويورك وأوهايو، وهذا يعنى ان احتياطيات الصين من الغاز الصخرى أكثر من احتياطيات الولايات المتحدة التقليدية وغير التقليدية.

لاشك في ان طفرة الغاز الصخرى فى الولايات المتحدة قد غيرت امريكا للأبد، فلقد وصلت حصة الغاز الصخرى من مجمل الانتاج الامريكى للغاز الطبيعى الى حوالى40%.

ولقد بلغت قيمة صناعة انتاج الغاز الصخرى فى امريكا عام 2011م حوالى 30 بليون دولار. وتبعاً لذلك فقد انخفضت أسعار الغاز الطبيعى فى امريكا من مستويات 10-12 دولارا الى 3-4 دولارات للمليون وحدة حرارية، وتم تحويل المنصات المعدة لاستيراد الغاز الطبيعى المسال من خارج امريكا الى تصديره.

ويتم حالياً تشييد الكثير من المصانع لتسييل وتصدير الغاز الامريكى الى كل بقاع العالم، ونهضت ايضاً صناعة البتروكيماويات الامريكية بعدما هجرتها الشركات العالمية.

إذ بدأنا نشهد هجرة معاكسة الى امريكا وأعلن عن نية انتاج عشرة ملايين طن اضافية من الايثيلين بسبب الانخفاض الكبير في أسعار الايثان الامريكى بسبب الغاز الصخرى.

ولقد استفادت امريكا من طفرة الغاز الصخرى، لانها تمتلك الخبرات العلمية والتقنية التى تساعد على استخراج هذا الغاز، بالاضافة الى توافر بنية تحتية على أعلى المستويات.

وتتميز امريكا بوجود خطوط متنوعة من الانابيب التى تنقل الغاز المنتج الى الاسواق، بالاضافة الى وجود أسواق امريكية بخبرات كبيرة فى طريقة التعامل بتجارة الغاز الطبيعى، فتوجد عقود البيع الفورية وآليات لعقود البيع المستقبلية، ويجب ألا ننسى ان امريكا بلد مفتوح تجارياً ويحق للشركات القدوم لامريكا وتشييد المصانع.

أما فى الصين فيوجد الغاز الصخرى فى المناطق الغربية وهى مناطق نائية ولا يوجد بها بنية تحتية (شكل 2) تساعد على انتاج الغاز ونقله الى الاسواق. وايضاً من سوء حظ الصينيين ان غازهم يوجد فى أعماق الأرض وأعمق من الغاز الصخرى الامريكى، بالاضافة الى انه لا تستطيع الشركات العالمية ان تعمل بمفردها فى الصين كما هو الحال فى امريكا، بل يتوجب عليها ان تقيم مشاريع مشتركة مع شريك صينى كما هو الحال مع شركة شل وبترو تشاينا.

قدر الصين آجلا أم عاجلا ان تتحول من حرق الفحم المليء بالكبريت والغني بالكربون الى الغاز الطبيعى المصدر الامثل لتوليد الطاقة.
وبدأ الصينيون يدركون مخاطر الاستمرار فى حرق الفحم على صحتهم وعلى اجوائهم وعلى مستقبلهم، لذلك نجد ان الغاز الطبيعى أسرع مصدر للطاقة من حيث النمو فى الصين.

لكن احتياطيات الصين من الغاز الطبيعى التقليدى تشكل 1 % من الاحتياطيات العالمية، ورغم ذلك فان الصين تستهلك هذه الاحتياطيات الضئيلة بسرعة فائقة. لذلك يتوجب على الصين ان تبدأ استغلال احتياطيات الهائلة من الغازات غير التقليدية مثل الغاز الفحمى والصخرى والغاز المحكم بأسرع وقت ممكن.

لو استطاعت الصين إطلاق غازها الصخرى من عقاله لانخفضت تكاليف الطاقة لصناعتها، ولبرزت صناعة الغاز الطبيعى الصينية كأحد أهم مصادر الغاز فى العالم ولنافست الولايات المتحدة على انتاج الغاز الصخرى. ولأجل ذلك نرى ان عيون الشركات العالمية مركزة على الصين وعلى الثروة الهائلة الكامنة فى أعماقها.

وفى هذا الاطار وقعت الشركات الامريكية الكبرى مثل اكسون موبيل وشيفرون وكونكوفيليبس والاوروبية مثل شل وتوتال واينى عقودا واتفاقيات مع الصين لاستكشاف وانتاج الغاز الصخرى الصينى. أما شركات خدمات النفط والغاز الكبرى فى العالم مثل شلمبرجير وهاليبرتون وبيكر هيوز ووذرفورد فهم يمضون قدماً لايجاد موطئ قدم لهم فى الصين.

الحقيقة ان وجود هذه الاحتياطيات الهائلة من الغاز غير التقليدى فى الصين يعد بكثير من المال والأهم من ذلك حاجة الصين الكبيرة لهذا الغاز كى يكون وقود اقتصادها العملاق وبحد أدنى من التلوث. لكن رغم كل هذه المميزات إلا اننا مازلنا نرى ان تطور هذه الصناعة فى الصين تسير ببطء شديد مقارنة بالفورة الامريكية.

وهذا يقودنا الى استنتاج ان هناك تحديات كبيرة تواجه الصين كدولة وحتى الشركات الامريكية الخبيرة بانتاج الغاز الصخرى بالنهوض بهذه الصناعة فى الصين. ويبقى توافر الماء التحدى الأكبر لانتاج هذا الغاز، ولا يزال الأثر البيئى وأثر الحفر الافقى على استقرار التربة هاجس لدى الصينين، لذلك فان كثيراً منهم يطالب بعمل التشريعات والقوانين اللازمة لحماية البيئة.

ويجب ألا ننسى ان استخراج وانتاج الغاز الصخرى الصينى سيكون أصعب من انتاج الغاز الصخرى الامريكى لوجوده فى طبقات أعمق من طبقات الغاز الامريكى. لذلك يوجد تحد تقني وبيئي وايضاً عدم توافر المناخ المناسب من حيث البنية التحية، لنقل هذا الغاز المنتج.
وأخيراً يجب ان نتذكر ان النهضة الامريكية بصناعة الغاز الصخرى قد بدأت بأيدي الشركات الصغرى، إذ يقدر المختصون وجود حوالى 10000 شركة صغيرة ومتوسطة فى هذا المجال فى امريكا.

هذا التنوع الكبير والمنافسة أعطت صناعة الغاز الصخرى الامريكى الكثير من المميزات يصعب ان نجد مثلها بالصين، حيث يهيمن على صناعة الغاز شركتين هما سينوبك و شركة CNPC المملوكتين للدولة.
وهذا ما جعل احد المستشارين فى هذه الصناعة ان يقول: «لوكانت اكسون وشيفرون تملك 90% من حقول الغاز الصخرى فى امريكا لما وصلنا الى ما وصلنا اليه بهذه السرعة، لان الشركات الكبيرة لها انظمتها وقوانينها الصارمة».

وفى الختام يبدو ان الامريكيين متحمسين ومهتمين بتطوير صناعة الغاز والنفط الصخرى فى الصين، وهذا يعود لعدة أسباب جوهرية اهمها لو استطاعت الصين تأمين حاجتها من الطاقة لانخفضت أسعار النفط والغاز بالعالم، ويجب ألا ننسى ان الصين هى الآن اكبر مستورد للنفط والغاز فى العالم. بالتأكيد ان اسعار النفط ستتأثر لو دخلت الصين نادى النفط والغاز الصخرى. ويبدو ان الجميع يراقب وينتظر تأثر اسعار النفط العالمية اذا نهضت الصين بانتاج الغاز والنفط الصخرى.

وبالطبع فان الشركات الامريكية هى من سيقوم بالمساهمة بالانتاج وهذا سيعطيها فرصاً أكثر. لكن على الشركات الامريكية الحذر من الصينين الذين لديهم القدرة على التعرف السريع والتقاط التقنيات الجديدة وتقليدها.

*نقلا عن صحيفة اليوم السعودية.
*مركز التميز البحثى للتكرير والبتروكيماويات جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.