عاجل

البث المباشر

أعراض ما قبل الأزمة تعاود الظهور في بريطانيا

هل لدى بريطانيا استراتيجية معقولة للانتعاش؟ لنتذكر فقط: آخر مرة حاولت فيها المضي في طريق التوسع في النمو عن طريق الائتمان، انتهى بها المطاف في أزمة مالية ضخمة. لماذا إذن، يكون من المنطقي أن نتوقع نتيجة مختلفة هذه المرة؟

في الواقع، من المذهل مدى ضآلة الأثر الذي تركته هذه الأزمة على الاعتقاد السائد. بل على العكس من ذلك، تعتقد شريحة واسعة من الناس أن الاعتماد على الاقتراض الخاص يعتبر أكثر أماناً من التركيز على الاقتراض العام كمصدر للطلب. فالتوسع في الاقتراض الخاص لشراء منازل مكلفة باستمرار يعتبر أمراً جيداً، لكن التوسع في الاقتراض الحكومي، لبناء الطرق أو السكك الحديدية، لا يعتبر كذلك. ويُعتقد أن المال الذي يدعمه الائتمان الذي أنشأه القطاع الخاص يعتبر سليماً، في حين أن المال الذي أنشأته الحكومة ليس كذلك. لكن هذا في معظمه غير منطقي.

والحقيقة أن آلة الائتمان بدأت في العمل مرة أخرى. وكما أشار مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، في عرضه لتقرير التضخم الجديد هذا الأسبوع: "أدى ذلك إلى تقليل ادخار الأسر وزيادة إنفاقها، ودفع إلى تعزيز سوق الإسكان". لكننا رأينا هذه المسرحية من قبل. وقد انتهت على شكل مأساة.

يهدف الإرشاد المتقدم من بنك إنجلترا إلى الحفاظ على روح الحفلة مستمرة عن طريق إقناع المحتفلين بأنه لن يزيل أطباقه اللذيذة قبل الأوان. وكما قال لنا كارني، الهدف الرئيس للإرشاد المتقدم كان مساعدة الانتعاش الوليد من خلال "طمأنة الأسر والشركات في جميع أنحاء بريطانيا بأن البنك لن يرفع أسعار الفائدة حتى تنمو الوظائف والدخل والإنفاق بشكل فعلي". وقد نجح هذا.

صحيح أن البطالة انخفضت بشكل أسرع مما توقع البنك. وهذا هو مصدر إحراج، لكنه إحراج مقبول. ويشير بنك إنجلترا الآن إلى أنه ليس بحاجة إلى رفع أسعار الفائدة في وقت قريب، وأنه عندما يرفعها فإنه سيفعل ذلك بصورة تدريجية. وتوقعاته للإجراءات التي سيقوم بها هو نفسه قد يتبين أنها خاطئة. وهذا ما يجعله يبدو سخيفاً بعض الشيء. لكن ماذا في ذلك؟

ما يعتبر مهماً حقاً هو ما إذا كان يمكن لتلك الاستراتيجية أن تحقق انتعاشاً متوازناً ومستداماً. وقد اعترف كارني بأن هذا ليس هو الحال حتى الآن. أدير تيرنر، الرئيس السابق لهيئة الخدمات المالية المنحلة، عرض خطة حول هذه المسألة في محاضرة ألقاها في الفترة الأخيرة في فرانكفورت. قال تيرنر إن ائتمان القطاع الخاص نما على مدى عدة عقود قبل الأزمة، أسرع من الناتج المحلي الإجمالي في معظم البلدان ذات الدخل المرتفع. والخطر هو "يبدو أننا في حاجة إلى نمو ائتمان أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي لتحقيق اقتصاد ينمو على النحو الأمثل، لكن هذا يؤدي حتما إلى أزمة وركود ما بعد الأزمة".

إن الرفع المالي لما قبل الأزمة في اقتصاد بريطانيا وغيرها من الاقتصادات لم يولد العلامات الكلاسيكية الدالة على التسارع، خصوصاً التضخم. بدلاً من ذلك، ولد أزمة مالية، وانكماشاً اقتصادياً عميقاً، وانتعاشاً ضعيفاً. والآن، يحتفل الناس في بريطانيا باستئناف العملية التي انتهى بها المطاف إلى هذه الكارثة الضخمة. وفي الواقع، يشير تقرير التضخم بشكل صريح إلى تخفيف شروط الائتمان، كما هو موضح في ارتفاع نمو الائتمان، باعتباره سبباً أكبر للتفاؤل. فإلى أي مدى سيكون للتفاؤل له ما يبرره على المدى البعيد؟

ربما تكون إحدى الحجج هي أن القطاع الخاص قلّص مديونيته الآن. فقد انخفضت نسبة ديون الأسر إلى الدخل بالفعل، من ذروة بلغت 163 في المائة في الربع الأول من عام 2008 إلى 137 في المائة في الربع الثالث من العام الماضي. لكن هذا أعاده فقط إلى مستويات عام 2004: قريباً، يمكن أن تكون مديونية الأسر بالمعدل نفسه الذي كانت عليه في 2008.

مصدر آخر للتفاؤل سيكون هو القطاع المالي هذه المرة أفضل من حيث الرسملة ومن حيث القوانين التنظيمية. مثلا، يلاحظ تقرير التضخم أن حقوق الملكية العامة في المصارف البريطانية ارتفعت بواقع 140 مليار جنيه استرليني منذ الأزمة. فضلاً عن ذلك، أصبحت لجنة السياسة المالية في بنك إنجلترا جهازاً تنظيمياً أكثر انتباهاً الآن للمخاطر المنهجية مما كان عليه الحال قبل الأزمة. مع ذلك، هذا يثير احتمالين متعارضتين: الأول، أن الائتمان لن يتوسع بما فيه الكفاية لمساندة النمو المأمول في الطلب. والآخر، أن النظام المالي الذي يتمتع برسملة جيدة يمكن أن يولد رفعاً مالياً أعلى حتى من ذي قبل في بقية الاقتصاد البريطاني. وربما يعتبر هذا تعويضاً أكبر عن الاستقرار في القطاع المالي.

مصدر ثالث للتفاؤل هو أن التوسع في الائتمان الذي شهدناه قبل الأزمة ليس ضرورياً لاستدامة النمو في الطلب. فنحو 80 في المائة من قروض المصارف البريطانية هي قروض عقارية سكنية أو تجارية، إذا طرحنا منها الإقراض ضمن القطاع المالي. إذن، من حيث المبدأ ربما تكون نسبة أدنى بكثير في نمو الائتمان منسجمة مع النمو السريع في الاستثمار. لكن هذا أيضاً غير مؤكد. ومن المرجح أن الاندفاع في الائتمان لمشتريات العقارات القائمة شرط للنمو المستدام في استهلاك وإنشاء المساكن.

لا بد إذن أن هناك مصدراً للقلق، لكنه ليس في إخفاق مصرف إنجلترا في إعادة تشغيل محرك الائتمان، وإنما في تحقيق ذلك. فضلاً عن هذا، لن تكون النتيجة هي التضخم، وإنما توسع أكبر في الرفع المالي يفوق كثيراً ما حدث من قبل. من الممكن أن تكون النتائج وخيمة، خصوصاً أن قدرة الحكومة على التصرف كمنفق الملاذ الأخير محدودة الآن أكثر من قبل.

هل هناك مخرج؟ يمكن أن يكون المخرج هو النمو المدفوع بالصادرات، لكن هذا لن يكون له أثر سوى تحويل النمو في الائتمان في الخارج. هناك إمكانية أكثر جذرية بكثير، وهي التمويل النقدي للعجز الحكومي. هذا أمر غير وارد الآن. لكن من يعلم ما الذي ستجلبه لنا الأزمة المقبلة؟ بالنسبة إلى الوقت الحاضر، تذكر أن الإدمان على الائتمان أمر خطير.

نقلا عن صحيفة الاقتصادية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة