هل تلدغ المصارف مرتين؟

زياد الدباس

نشر في: آخر تحديث:

تشير معلومات أولية إلى قرب عودة النشاط إلى سوق الإصدارات الأوليـــة في كل من بورصتي أبو ظبي ودبي بعد عودة الثقـــة إلى السوقين الثانويتين فيهما وارتفاع حجم السيولة وانتعاش مؤشرات الأسعار إلى مستويات قياسية، وهـــذه الانتعاشات من شروط عودة النشاط إلى أسواق الإصــدارات الأوليـــة من خلال طرح أسهم العديد من الشركات المساهمة العامة بعد أخذ موافقة الجهات الرسمية والرقابية.

ولا بد من الإشارة إلى أهمية عدم تكرار الأخطاء والممارسات التي ارتكبتها مصارف كثيرة في الإمارات خصوصاً والمنطقة عموماً على صعيد تقديم قروض وتمويلات لكبار المكتتبين في أسهم الشركات التي طرحت للاكتتاب العام خلال فترة طفرة أسواق المال، سواء الأولية أو الثانوية، بين 2005 و2008 والتي كانت لها تأثيرات سلبية مختلفة عانتها الأسواق لفترة زمنية طويلة.

وحققت المصارف المعنية خلال فترة الطفرة عائدات وإيرادات عالية انعكست في صورة واضحة نمواً في أرباحها كان مصدره العمولات والفوائد على القروض المقدمة إلى المكتتبين، إذ شكلت هذه القروض، وفق تقارير مختلفة صدرت خلال تلك الفترة، ما نسبته 90 في المئة من إجمالي قيمة الأموال المكتتب بها. وجاءت النسبة الباقية (10 في المئة) من المدخرات الخاصة للمكتتبين.

يشار إلى أن قيمة الأموال المكتتب بها ونسبة التغطية لبعض الشركات التي طرحت للاكتتاب العام في أسواق الإمارات خلال تلك الفترة، بلغت بالنسبة إلى شركة "آبار" 394 بليون درهم (107 بليون دولار) وتعادل 800 ضعف قيمة الأسهم المطروحة للبيع أو الاكتتاب. وبلغت القيمة بالنسبة إلى شركة "صروح العقارية" 242 بليون درهم (176 ضعفاً) وإلى شركة تمويل 266 بليون درهم (484 ضعفاً) وإلى "شركة الاتصالات المتكاملة" 400 بليون (167 ضعفاً).

وأدى الفارق الضخم بين قيمة الأسهم المطروحة للاكتتاب وضخامة الأموال المكتتب بها إلى انخفاض كبير في نسبة الأسهم المخصصة لكل مكتتب، خصوصاً شريحة صغار المكتتبين، فكان يُفترض حصول هذه الشريحة على نسبة مجدية من الأسهم المخصصة لتحقيق العديد من أهداف طرح الشركات للاكتتاب العام، وفي مقدمها توظيف مدخرات صغار المستثمرين بهدف خلق دخل إضافي لهم ورفع مستوى معيشتهم وتعزيز مشاركتهم في مكاسب التنمية.

وساهم الانخفاض الكبير في نسبة الأسهم المخصصة للمكتتبين في ارتفاع كبير لأسعار أسهم هذه الشركات بعد إدراجها في أسواق المال، فبلغ -مثلاً- سعر أسهم شركة «الدار العقارية» عند إدراجها في سوق أبو ظبي للأوراق المالية في نيسان (أبريل) 2005، 7.6 درهم، علماً بأن القيمة الاسمية أو التأسيسية لأسهم الشركة كانت درهماً واحداً.

وتعتبَر قفزة الأسعار غير منطقية وتعكس سيطرة سيولة المضاربين في تلك الفترة على حركة الأسواق، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن الشركات وقت إدراجها في الأسواق لم تكن باشرت أعمالها التشغيلية ولا حملت أي سجل للإنجازات، ويُفترض أن يصل سعر أسهم شركة كهذه في الأسواق الناضجة العالية الكفاءة، إلى هذه المستويات السعرية عندما تبلغ ربحية الشركة 63 في المئة من رأس مالها، وهذا يحتاج إلى فترة زمنية طويلة.

وأدى ارتفاع أسعار أسهم شركات إلى هذا المستوى إلى ارتفاع القيمة السوقية لأسهمها لأكثر من سبعة أضعاف حقوق مساهميها وقيمتها الدفترية وهو ما ينطبق على أسهم الشركات التي طرحت للاكتتاب العام وأدرجت في الأسواق الإماراتية خلال تلك الفترة. وأدت المبالغة في أسعار أسهم هذه الشركات إلى تهميش معايير الاستثمار ونشر ثقافة المضاربة وخلق شريحة كبيرة من المضاربين ما ساهم في ارتفاع الأخطار في هذه الأسواق وانخفاض كبير في كفاءتها.

ويذكَر ان قيمة الأموال المكتتب بها في تلك الفترة على أسهم بعض الشركات تجاوزت حجم الودائع لدى المصارف وحجم حقوق مساهميها وتجاوزت نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي، ما دفع الجهات الرقابية في تلك الفترة، وفي مقدمها المصرف المركزي، إلى وضع قيود لهذه التمويلات التي كان يعتبرها البعض في تلك الفترة قروضاً وتمويلات ورقية إلا أنها تحمل أخطاراً متعددة.

ولذلك يفترض بالمصارف عدم تكرار الأخطاء الماضية مع وضع الآليات والتعليمات المناسبة من قبل المصرف المركزي للحفاظ على مصداقية الأسواق وكفاءتها وحفظ حقوق صغار المستثمرين ومصداقية الاكتتابات وتحقيق أهدافها، وفي مقدمها توظيف مدخرات صغار المستثمرين.

* نقلا عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.