ارتفاع امدادات النفط من خارج أوبك

سليمان الخطاف

سليمان الخطاف

نشر في: آخر تحديث:

تتوقع أوبك أن يصل إنتاج النفط في دول خارج الأوبك في الربع الأخير من العام الحالي، إلى أكثر من 56.3 مليون برميل باليوم أي 61.2% من الإنتاج العالمي، بعد أن كان معدل إنتاجها فى عام 2012م حوالي 52.8 مليون برميل باليوم، أو ما نسبته 59.3% من الإنتاج العالمي.
وهذا يعني أن هذه الدول رفعت إنتاجها بأكثر من 3.7 مليون برميل باليوم. وفي نفس الوقت ينمو الطلب العالمي على النفط بوتيرة تكاد تكون ثابتة، عند حوالي مليون برميل باليوم لكل سنة. وتأتي معظم هذه الزيادة فى إنتاج دول خارج أوبك من دول امريكا الشمالية (تحديداً الولايات المتحدة وكندا)، حيث ارتفع إنتاجها لنفس الفترة بحوالي 3 ملايين برميل باليوم، وذلك بفضل التطور التقني في مجال الحفر الأفقى والتوسع فى إنتاج النفوط غير التقليدية.
ويتوقع أن يرتفع الطلب العالمي لنفس الفترة من 89 مليون برميل باليوم في عام 2012م الى حوالي 92.2 مليون برميل باليوم فى الربع الأخير من العام الحالي، بحسب تقرير أوبك الاخير لشهر مايو الحالى.

نحن نشهد ولادة عصر جديد، بمفاهيم مختلفة عن العشرين سنة الماضية؛ بسبب ارتفاع الإنتاج للسوائل والغازات الهيدروكربونية من المصادر غير التقليدية

وهذا يدل أن كل النمو بالطلب العالمي قد تم تلبيته من دول خارج الأوبك، وتحديداً من النفوط غير التقليدية، وهذا اكبر دليل على التغير التدريجى والتاريخى فى خارطة النفط العالمية. ولو استمر تدفق النفط من خارج الأوبك وبنفس الكميات بشكل مستمر فقد يحصل خلل وشرخ كبير بين العرض والطلب؛ مما قد ينعكس سلباً على الاسعار وتماسكها فوق حاجز 100 دولار للبرميل.
ويتوقع أن يصل إنتاج دول امريكا الشمالية من النفط حوالي 20 مليون برميل باليوم، بنهاية هذا العام، وفى المقابل تحاول دول الأوبك معالجة هذه الزيادة بالإنتاج العالمي بتقليص إنتاجها رغم وفرة النفط لديها والحاجة الماسة لبعض اعضائها للمال.
ولقد وصل إنتاج أوبك فى عام 2012م إلى حوالي 31.1 مليون برميل باليوم، وقد انخفض هذا الإنتاج فى ابريل الماضى من العام الحالى الى 29.5 مليون برميل يومياً، فى دلالة واضحة على ان الأوبك تحاول دعم الاسعار بتخفيض إنتاجها وقد فعلت وقلصت إنتاجها بحوالي 1.6 مليون برميل باليوم لتفادى اى ضرر للأسعار.
أما سوائل الغاز الطبيعى (NGL) والتى تستخدم بكثرة فى الصناعات البتروكيماوية والاستخدامات المنزلية وكوقود لوسائل النقل، فلقد تغيرت خارطة امداد هذه المادة الاستراتيجية ايضاً. ولقد اقترب الإنتاج الامريكى من هذه المادة الى حوالي 3 ملايين برميل يومياً بعد ان كان فى عام 2010م حوالي 1.7 مليون برميل باليوم. ولكن الطفرة الكبيرة حدثت بإنتاج الغاز الطبيعى حيث ساعدت تقنيات الحفر الأفقي وتفتيت الصخور الولايات المتحدة لتصبح أكبر منتج للغاز الطبيعى بالعالم متخطية روسيا وايران وقطر.
إذاً، باختصار نحن نشهد ولادة عصر جديد، بمفاهيم مختلفة عن العشرين سنة الماضية؛ بسبب ارتفاع الإنتاج للسوائل والغازات الهيدروكربونية من المصادر غير التقليدية. ويجب التنبيه الى انه لم تحصل قفزات كبيرة فى إنتاج الطاقة من البدائل الاخرى كالطاقة النووية او الشمسية او الوقود الحيوى، بل على العكس ما تزال هذه البدائل محل تجاذب فكرى واستراتيجي. فعلى سبيل المثال هل من المعقول أن يذهب 40% من إنتاج الذرة الأمريكى لإنتاج وقود الايثانول بينما تشهد أمريكا قفزات ماراثونية بإنتاج الطاقة من الصخور بعيداً عن الغذاء.
ولا شك أن المتابع للتطورات، يصل إلى نتيجة مفادها أن امريكا استطاعت ان تعود وبقوة مرة اخرى الى عالم النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية. ولا سيما وان حوالي 55% من حفارات العالم حالياً توجد فى الولايات المتحدة؛ كدليل قوي على الزخم الموجود فيها بما يخص صناعة النفط والغاز. ولكن تبقى اسئلة كبيرة عالقة بالذهن منها: هل بامكان امريكا الحفاظ على هذا النمو بإنتاج النفط والغاز وسوائل الغاز على نفس الوتيرة التى شهدناها منذ عام 2010م؟. وإذا افترضنا أسوأ احتمال، وهو بالفعل القدرة على الاستمرار من داخل او من خارج امريكا بالنمو بإنتاج النفط.. فهل سيبقى رد فعل أوبك هو تقليص إنتاجها للمحافظة على تماسك الاسعار. وهل تستطيع أوبك ان تمنع بعض دولها والتى باستطاعتها ان تزيد إنتاجها ولاسيما وهى بأمس الحاجة للمال؟ ويجب ألا ننسى ان معظم دول أوبك لديها طاقات اضافية وهى تستثمر الان فى بناء طاقات اضافية أكبر. ماذا لو رفعت تلك الدول في أوبك من إنتاجها فى الوقت الذى تخفف فيه الولايات المتحدة من اعتمادها على استيراد النفط. هل ستبقى الاسعار متماسكة؟.
كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ان الطفرة بإنتاج الغاز الطبيعى الصخري، قد قلل من الاعتماد على مشتقات النفط، مثل: زيت الوقود كمصدر لتوليد الكهرباء. ويأمل كثير من منتجى الغاز الطبيعى بامريكا ان يزداد استعمال الغاز الطبيعى كوقود لوسائل النقل بدل الجازولين والديزل. وكل هذا يصب بتقليل الاعتماد على النفط فى الولايات المتحدة.
يبدو أن العالم ينظر للتجربة الأمريكية بإنتاج الغاز والنفط الصخرى بارتياب وباعجاب. فالبعض حذر من موضوع التلوث وسلامة واستقرار التربة، والبعض الآخر ينظر الى الصخور الزيتية بعين الأمل، ويتحين الفرصة والقدرة لاستخراج ما فيها من ثروات هيدروكربونية. ولكن يبقى السؤال الى متى تخفض أوبك من إنتاجها لمعالجة آثار ارتفاع الامدادات من خارج دولها، فلقد انتجت أوبك فى عام 2012م حوالي 35% من الإنتاج العالمي وهى تنتج الآن حوالي 32% من الإنتاج العالمي، وقد تنخفض هذه النسبة الى اقل من 30%. وفى المقابل ماذا سيحدث لو انتجت أوبك فى المستقبل القريب أكثر من 35 مليون برميل باليوم (خاصة اذا ما استمر العراق بإنتاجه المتزايد واذا استقرت ليبيا ونيجيريا وخففت العقوبات على ايران واستفادت دول اخرى من طاقاتها الفائضة)، ولا سيما وان وكالة الطاقة العالمية قد دعت أوبك قبل أيام إلى زيادة كبيرة فى إنتاجها؛ حتى لا ترتفع الاسعار بحسب الوكالة العالمية؟. لا شك ان السنوات القليلة القادمة ستجيب على كل هذه الاسئلة.

*نقلا عن اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.